معادلة الردع بعد وقف إطلاق النار في غزة: قراءة معمّقة في أدوات الصراع الجديدة

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة، لم تتوقف المواجهة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة أقل صخبًا من الحرب المباشرة، لكنها أكثر تعقيدًا في أدواتها وآلياتها. فقد تحوّل الصراع إلى نمط منخفض الوتيرة يقوم على إعادة رسم قواعد الاشتباك، وتثبيت مناطق النفوذ، واستخدام وسائل الضغط غير العسكرية كبدائل للمواجهات الواسعة.
تُظهر المؤشرات الميدانية والسياسية أن ما بعد وقف النار ليس مرحلة استقرار، بل إعادة تموضع مؤقت تُدار خلاله المعركة عبر “ردع متعدد المستويات”، تتداخل فيه عناصر السيطرة الجغرافية، والمعلومات الاستخبارية، والضغوط الإنسانية، والحسابات السياسية.
يرصد هذا التقرير أبرز ملامح معادلة الردع الجديدة بين إسرائيل وحماس، اعتمادًا على الوقائع الميدانية والتحركات الأمنية والتصريحات الرسمية.
أولا: ملامح السياسة الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار
1. نموذج “الرد الفوري”
تبنّت إسرائيل سياسة أمنية قائمة على الاستهداف السريع لأي نشاط تعتبره تهديدًا لقواتها أو مناطق انتشارها داخل القطاع. وشملت هذه الاستهدافات عمليات قصف محدودة واعتقالات ميدانية وعمليات اغتيال، تبررها إسرائيل بأنها إجراءات “لتثبيت الهدوء بالقوة”.
هذه السياسة، رغم أنها لا تفجّر حربًا شاملة، أدت إلى سقوط عدد من المدنيين، كما وثّقت مصادر فلسطينية، ما يجعل وقف النار هشًا وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
2. منع حماس من استعادة قدراتها العسكرية
تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات ضد عناصر تتهمهم بالارتباط بالأجنحة العسكرية، وتعمل على منع الحركة من إعادة بناء شبكات القيادة والسيطرة. وتشير معطيات محلية إلى محاولات مستمرة لإعاقة تنقل العناصر، إلى جانب استهدافات متكررة لقيادات ميدانية.
3. فرض سيطرة جغرافية واسعة
تُظهر الخرائط الميدانية أن إسرائيل ما تزال تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع عبر مناطق عسكرية مغلقة ونقاط مراقبة ثابتة. وتُفرض “خطوط صفراء” تمنع دخول السكان، مما أدى إلى تعطيل الأنشطة الزراعية والصناعية ومنع آلاف النازحين من العودة إلى مناطقهم.
4. توظيف العملاء والشبكات المحلية
تشير شهادات فلسطينية إلى نشاط مجموعات تعمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية داخل القطاع، تُستخدم في نقل معلومات وتحديد مواقع وخلق حالة ارتباك تمنع الفصائل من إعادة تنظيم صفوفها. ويُعد هذا الأسلوب امتدادًا لسياسة استخبارية تعتمد عليها إسرائيل منذ سنوات طويلة.
5. استخدام القيود الإنسانية كأداة ضغط
تفرض إسرائيل قيودًا صارمة على إدخال المساعدات، خصوصًا مواد البناء والمستلزمات الطبية والخيام، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية. وتؤكد تقارير أممية أن مناطق الوسط والمواصي تشهد اكتظاظًا حادًا ونقصًا كبيرًا في خدمات الإيواء والمياه والكهرباء.
6. الإعمار المشروط
دخل القطاع أقل من ثلث احتياجاته اليومية من الشاحنات، في ظل منع دخول مواد البناء المصنفة “مزدوجة الاستخدام”. وترتبط الموافقة على إدخالها بملفات سياسية وأمنية، أبرزها ملف الأسرى وتثبيت وقف النار. هذا التقييد أدى إلى تباطؤ الإعمار وتعطّل القطاعات الاقتصادية.
7. الخطاب الديمغرافي وتشجيع الهجرة
تزايد الخطاب الإسرائيلي الداعي إلى “الهجرة الطوعية” لسكان غزة، باعتباره جزءًا من إستراتيجية ضغط تهدف إلى إضعاف البنية السكانية والاجتماعية، وتقليص قدرة حماس على إعادة بناء نفوذها السياسي والتنظيمي.
ثانيا: سياسات حماس بعد وقف إطلاق النار
1. التحرك عبر الوسطاء
اعتمدت الحركة على وساطة مصر وقطر وتركيا والأمم المتحدة لتحسين شروط الاتفاق، وتسهيل إدخال المساعدات، ومعالجة ملف الأسرى، وتخفيف الضغوط الاقتصادية. ويبدو أن الحركة تحاول إدارة المعركة عبر الدبلوماسية بدل الانخراط في مواجهات جديدة.
2. ضبط الأمن الداخلي وملاحقة العملاء
نفّذت الحركة حملات أمنية ضد أشخاص تتهمهم بالتعاون مع الاحتلال، إلى جانب إعادة تفعيل وحدات الشرطة المحلية لتثبيت الأمن في المناطق المتضررة. وأسهم ذلك في الحد من الفوضى رغم هشاشة الوضع الأمني العام.
3. إدارة الأزمة الاقتصادية والمعيشية
اتخذت إجراءات لضبط الأسعار ومراقبة الأسواق وتسهيل حركة البضائع. ووفق بيانات محلية، شهدت أسعار بعض السلع الأساسية انخفاضًا نسبيًا بعد دخول دفعات كبيرة عبر المعابر.
4. توظيف الإعلام لإبراز تداعيات الحرب
عملت الحركة على تسليط الضوء على حجم الدمار والكارثة الإنسانية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، مع التركيز على الانتهاكات الإسرائيلية، لجذب ضغط دولي وتحريك الرأي العام العالمي.
5. إعادة التعافي التنظيمي والعسكري
تشير تقارير عدة إلى أن الحركة تمكنت من ملء الفراغ في المناطق التي انسحب منها الاحتلال. وقد نقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين أمنيين تأكيدهم أن حماس استعادت جزءًا من قدراتها، وأن أكثر من نصف شبكة أنفاقها ما تزال سليمة، مع تقديرات بوجود 20 ألف مقاتل في صفوفها.
لكن هذه العملية تبقى محدودة بسبب استمرار الرقابة الإسرائيلية الواسعة.
6. تعزيز التنسيق مع قوى المقاومة في المنطقة
تواصل الحركة تنسيقها مع إيران وحزب الله وأنصار الله، في إطار بناء شبكة ردع إقليمية تتيح لها الضغط على إسرائيل وتوسيع مساحة المواجهة خارج حدود غزة، إلى جانب محاولة تحريك الضفة الغربية لخلق ضغط متزامن.
خلاصة المشهد: صراع يتجدد دون حرب
تكشف التطورات الأخيرة أن ما يجري في غزة ليس استقرارًا، بل مرحلة صراع من نوع آخر، تعتمد فيها إسرائيل على السيطرة الميدانية والضغط الإنساني ومنع التعافي العسكري، في حين تعمل حماس على تعزيز وجودها السياسي والأمني وإعادة تنظيم صفوفها.
المعادلة الحالية مرشحة للتغيير مع أي تطور ميداني أو سياسي، في ظل غياب اتفاق شامل يمكن أن يضمن استقرارًا طويل الأمد.









