اغتيال عماد مغنية.. خيوط العملية تتكشف بعد سنوات وصدى الاغتيالات يمتد إلى الطبطبائي

منذ اغتيال القيادي العسكري البارز في حزب الله عماد مغنية بتفجير استهدف سيارته في حي كفر سوسة بدمشق مساء 12 فبراير/شباط 2008، ظلّ الغموض يلفّ ظروف العملية، خاصة أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها آنذاك. ورغم أن أصابع الاتهام توجّهت مباشرة نحو جهاز الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد”، فإن تفاصيل العملية بقيت طيّ الكتمان إلى أن كشفت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز مطلع 2015 معلومات نقلت عن ضباط أميركيين تؤكد أن الاغتيال تم بتنسيق مباشر بين واشنطن وتل أبيب.
اتهم الأميركيون مغنية بالوقوف وراء عمليات استهدفت منشآتهم في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي، أبرزها تفجير السفارة الأميركية عام 1983 الذي خلّف 63 قتيلاً. وفي المقابل، اعتبرت إسرائيل مغنية خصمها الأخطر بسبب دوره في عمليات أسر جنود إسرائيليين واتهامات بتفجيرات في بوينس آيرس عام 1985.
ورغم نشر معلومات كثيرة عن التخطيط للاغتيال، ظلّ الجانب المتعلق بالخرق الأمني الذي أتاح تعقب تحركات مغنية لغزاً حتى جاءت رواية جديدة من داخل الموساد نفسه.
يوسي كوهين يكشف.. عميل مقرّب من مغنية
في كتابه “بالأحابيل تصنع لك حرباً” أو “سيف الحرية” بنسخته الإنجليزية، تحدّث المدير السابق للموساد يوسي كوهين عن تفاصيل تتعلق بتجنيد عميل لبناني كان مقرّباً من مغنية في مطلع التسعينيات، والذي أطلق عليه اسم “عبد الله” لأسباب أمنية.
بصفته “رجل أعمال أرجنتينياً”، تمكّن كوهين من بناء علاقة وثيقة مع العميل المحتمل، والذي كان يبحث عن فرصة حياة مستقرة في أميركا اللاتينية. وبعد تردد طويل، قبل “عبد الله” التعاون وقدّم معلومات نوعية، كان لها – بحسب الكتاب – أثر بالغ في تشكيل فهم دقيق عن دوائر مغنية، وصولاً إلى استهدافه لاحقاً في دمشق.
من مغنية إلى الطبطبائي.. استمرار سلسلة الاغتيالات
بعد نحو شهر من نشر كتاب كوهين، وتحديداً في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة دقيقة في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت أسفرت عن مقتل القائد العسكري البارز هيثم حسين الطبطبائي، وهو من الأسماء التي لم تكن معروفة للعلن، لكنه كان واسع الحضور داخل البنية العسكرية للحزب.
البيانات الإسرائيلية أكدت أن الطبطبائي تولّى قيادة قوة الرضوان، وشارك في تطوير قدراتها، كما لعب دوراً مركزياً في العمليات العسكرية الأخيرة. حزب الله بدوره أكد صحة هذه المعلومات، وكشف عن أنه كان يشغل منصب القائد العسكري للمقاومة منذ بداية العام 2025، وكان مسؤولاً عن إدارة العمليات، ولا سيما إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن معركة “أولي البأس”.
وزارة الخارجية الأميركية كانت قد صنّفته عام 2016 “إرهابياً عالمياً”، ورصدت مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عنه بسبب دوره في سوريا واليمن.
اختراقات متراكمة أم تفوق تكنولوجي؟
الهجوم الذي قضى على الطبطبائي جاء بعد سلسلة اغتيالات طالت أبرز قادة حزب الله خلال العامين الأخيرين، بما في ذلك:
- صالح العاروري
- فؤاد شكر
- حسن نصر الله
- هاشم صفي الدين
وقد أعاد ذلك فتح النقاش حول حجم الاختراق الأمني داخل الحزب.
موقع “أساس” اللبناني نقل عن خبراء أمنيين أن أحد مسؤولي “وحدة الأماكن” في الحزب، ويُدعى الحاج حمزة السبلاني، سلّم إسرائيل بيانات حساسة حول أماكن وجود القيادات والمقار الاحتياطية. كما تحدّث الموقع عن فرار مسؤول في “وحدة الإشارة” إلى الداخل الإسرائيلي، ما أفشل جزءاً من نظام الاتصال الداخلي.
ومع الانتقال إلى الاعتماد على أجهزة “البيجر”، جاءت “واقعة البيجر” لتكشف أن هذه الأجهزة أيضاً كانت مخترقة أو قابلة للتعقب.
التكنولوجيا في قلب المعركة
تعددت تحليلات الخبراء حول طبيعة الاختراق:
- رأى محللون أن إسرائيل تستخدم طائرات مسيرة للاستطلاع والتعقب.
- أشار آخرون إلى إمكانية استخدام تقنية التعرف على الوجوه حتى عبر بثّ قناة المنار خلال تشييع الطبطبائي.
- الخبير العسكري نضال أبو زيد رجّح استخدام صواريخ GBU-39 الموجهة بدقة عبر نظام GPS، أطلقت من طائرات F-16 أو F-35، مؤكداً أن العملية تدل على اختراق “فني” لا “بشري”.
رؤية حزب الله: لا ثغرات داخلية
مصدر في حزب الله نفى وجود اختراق داخلي، وأكد أن الحزب أغلق بالفعل العديد من الثغرات خلال الفترة الماضية. واعتبر أن تتبع القيادات ممكن بسبب التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وامتلاك الدعم من الولايات المتحدة وأجهزة استخبارات غربية.
وأشار المصدر إلى استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والتنصت الواسع على الاتصالات في تنفيذ عملياتها.
رؤية عسكرية مقابلة: 20 عاماً من تراكم البيانات
العميد المتقاعد منير شحادة قدّم تفسيراً مغايراً بالكامل، معتبراً أن القدرة الإسرائيلية الحالية هي ثمرة تراكم معلوماتي عمره نحو عقدين.
وقال إن لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري عام 2005 حصلت على قواعد البيانات اللبنانية كاملة، بما فيها بيانات المصارف والجامعات والاتصالات، ثم انتقلت هذه البيانات لاحقاً إلى إسرائيل.
كما اعتبر أن مشاركة حزب الله في الحرب السورية منذ عام 2011 كشفت المزيد من هويات عناصره وطرق تحركهم، عبر الهواتف والتقنيات المستخدمة حينها.
وبحسب شحادة، فإن منع استخدام الهواتف الذكية لاحقاً لم يشكّل حلاً جذرياً لأن “شبكات العلاقات” كانت قد كُشفت بالكامل.
بين العامل البشري والتقني.. الأسئلة قائمة
مع كل اغتيال جديد، يعود السؤال المركزي إلى الواجهة:
كيف تنجح إسرائيل مراراً في الوصول إلى قادة محميين داخل مناطق مغلقة؟
ورغم تعدد الروايات، يميل المشهد العام إلى تفسير مزدوج:
- تفوق تكنولوجي واضح يشمل الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، اختراق الاتصالات، الطائرات المتقدمة.
- تراكم بيانات عميق يعود إلى ما قبل حرب سوريا، جعل التعرف على شبكة العلاقات المرتبطة بكل قائد أمراً سهلاً.
وتبقى الإجابة الحاسمة في يد حزب الله، الذي يواصل تحقيقاته الداخلية، بينما تستمر إسرائيل في تنفيذ عملياتها عبر مزيج من التكنولوجيا والاستخبارات المتراكمة.









