تحقيقات

ولد اجاي يضع الإنفاق العام تحت المجهر: 700 مليون أوقية لمركز صحي بلا مياه!

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


في رسالة تحمل دلالات رقابية واضحة، أعاد الوزير الأول المختار ولد اجاي وضع كفاءة الإنفاق العمومي وجودة الخدمات الأساسية في صدارة الاهتمام الحكومي، مؤكدا أن حماية المال العام وصيانة حقوق المواطنين يجب أن تتحولا إلى ممارسة فعلية، لا أن تبقيا مجرد شعارات في الخطاب الرسمي.
وخلال جولة تفقدية لعدد من المشاريع الخدمية في نواكشوط، توقف ولد اجاي عند وضعية المركز الصحي الجديد بمقاطعة دار النعيم، مثيرا تساؤلات بشأن إنفاق 700 مليون أوقية على منشأة صحية لم تُجهَّز بشبكة للمياه، في مفارقة تضع جدوى التخطيط والتنفيذ أمام اختبار حقيقي.
وتعيد هذه الملاحظة طرح سؤال جوهري حول مصير الأموال العمومية: ما قيمة تشييد المنشآت إذا لم تُستكمل متطلبات تشغيلها؟ وكيف يمكن الحديث عن تحسين الخدمات الصحية دون توفير أبسط شروط تقديمها؟ فالمشروع العام لا تكتمل قيمته بمجرد انتهاء الأشغال، وإنما بقدرته على أداء وظيفته والاستجابة لحاجات المواطنين.
وفي مقاطعة الميناء، وجّه الوزير الأول رسائل إلى الشباب، داعيا إلى التمسك بالتعليم، والابتعاد عن المخدرات، وتعزيز التماسك الاجتماعي، بالتوازي مع تأكيد التزام الحكومة بتنظيم مسابقات شفافة للولوج إلى الوظيفة العمومية، والعمل على تطوير البنية التحتية، بما يشمل الطرق والمياه والمدارس والنقل العمومي والنقاط الصحية.
وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من ارتباطها المباشر بتطلعات فئة واسعة من الشباب الموريتاني، الذي ينتظر فرصا حقيقية للعمل، وتعليما يفتح أبواب المستقبل، وخدمات عمومية تضمن الحد الأدنى من الكرامة والإنصاف.
غير أن الرهان الأكبر لا يكمن في إعلان الأولويات، بل في تحويلها إلى نتائج ملموسة. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات الحكومية بعدد المشاريع المعلنة، ولا بحجم الموازنات المرصودة، وإنما بما يلمسه من تحسن في المستشفيات والمدارس، وتوفير للمياه، وفتح لفرص العمل، وترسيخ لمبدأ تكافؤ الفرص.
إن قضية المركز الصحي بدار النعيم تختصر معضلة أوسع في إدارة المشاريع العمومية: الفجوة بين إنجاز البنية التحتية وضمان جاهزيتها الفعلية للخدمة. وهي فجوة لا تُعالج بالتصريحات وحدها، بل بالتخطيط المتكامل، والرقابة المستمرة، والمساءلة عن أوجه القصور، وربط الإنفاق بالنتائج.
وبين التشديد على حماية المال العام والتعهد بإنصاف الشباب، تبدو الرسالة الحكومية واضحة في مضمونها، لكن اختبارها الحقيقي سيظل مرتبطا بما ستسفر عنه من إجراءات عملية، وما إذا كانت هذه الجولة ستفتح الباب أمام معالجة الاختلالات وضمان عدم تكرارها.
ففي النهاية، ليست قيمة المال العام فيما يُنفق منه، بل فيما يعود به على الناس من خدمات وفرص وحقوق مصونة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى