واشنطن تقلد طهران: انقلاب المعادلة في سباق تكنولوجيا المسيّرات

لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الدولة الأكثر تقدما تكنولوجيا في العالم والنموذج الذي يحتذى به، غير أن التحولات المتسارعة في مجال الطائرات المسيّرة كشفت عن فجوة غير متوقعة قلبت هذه الصورة رأسا على عقب، خاصة في ميدان الصناعات العسكرية غير المأهولة.
تقرير نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية أكد أن موازين التفوق في صناعة المسيّرات بدأت تميل لصالح قوى أخرى، وفي مقدمتها إيران، التي نجحت في تطوير مسيّرات انتحارية منخفضة التكلفة ومرتفعة الكفاءة، ما دفع واشنطن، للمرة الأولى، إلى استلهام ابتكارات خصومها بدلا من تصدير نماذجها الخاصة.
ويرسم التقرير واقعا جديدا تجد فيه الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العظمى الأولى عالميا، نفسها مضطرة إلى اقتباس تقنيات عسكرية من دول لطالما وُصفت في خطابها الرسمي بالتخلف التكنولوجي. ويبرز النموذج الإيراني تحديدا، حيث أثبتت طهران قدرة لافتة على إنتاج مسيّرات فعالة وبأسعار زهيدة، ما منحها تفوقا نوعيا في هذا المجال.
ووفق المجلة، استثمرت دول حليفة ومنافسة على حد سواء، مثل الصين وروسيا وتركيا وأوكرانيا، موارد ضخمة في الابتكار العسكري، بينما اكتفت الولايات المتحدة لفترة طويلة بالاتكاء على إنجازاتها السابقة. ويشير كاتب التقرير، براندون ويخرت، محرر شؤون الأمن القومي في ناشونال إنترست، إلى أن سلاح مشاة البحرية الأميركي يعمل حاليا على تطوير منظومة “لوكاس”، وهي طائرة هجومية غير مأهولة منخفضة التكلفة.
ويؤكد ويخرت أن “لوكاس” ليست سوى نسخة شبه مطابقة، صُممت عبر الهندسة العكسية، للمسيّرة الإيرانية “شاهد-136”، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل مفارقة تاريخية لافتة. فبينما بدأ البرنامج الإيراني للمسيّرات عبر هندسة عكسية لطائرة أميركية من طراز RQ-170 استولت عليها طهران عام 2011، وصلت إيران اليوم إلى مرحلة باتت فيها ابتكاراتها تتفوق على ما تنتجه المصانع الأميركية، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تقليد النموذج الإيراني.
ويطرح التقرير تساؤلا لافتا حول هذا التحول، إذ يرى البعض أن “المعاملة بالمثل” قد تكون مبررة، غير أن الكاتب يتساءل: إذا كان الجيش الأميركي يستنسخ تكنولوجيا دولة يُقال إنها متخلفة، فلماذا يحتاج أصلا إلى الاقتباس منها؟
وتتميز منظومة “لوكاس” بتكلفة تقديرية لا تتجاوز 35 ألف دولار، ويهدف البنتاغون من خلالها إلى اعتماد استراتيجية إنتاج كثيف شبيهة بتلك التي استُخدمت في بناء السفن خلال الحرب العالمية الثانية، مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتمكين المسيّرة من تحديد الأهداف وتنفيذ الهجمات بشكل ذاتي.
ويرى ويخرت أن نجاح الاختبارات التي تُجرى حاليا في ولاية أريزونا يمهّد الطريق لنشر هذه المسيّرات على نطاق واسع في مسارح عمليات متعددة، تمتد من المحيط الهادي إلى أوروبا. غير أنه يحذّر صناع القرار في واشنطن من أن اعتماد الجيش الأميركي على “قرصنة” التكنولوجيا الإيرانية يقوّض السردية الرسمية حول التخلف التكنولوجي الإيراني.
ويخلص الكاتب إلى أن استنساخ سلاح إيراني لا يمكن اعتباره مجرد رد فعل دفاعي، بل هو اعتراف ضمني بتطور الخصم وقدرته على الابتكار، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة لحجم التهديدات العسكرية الإيرانية، وما قد تمتلكه طهران من تقنيات متقدمة أخرى قادرة على مفاجأة القوات الأميركية مستقبلا.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن إيران طورت نسخة محسّنة من المسيّرة الانتحارية تحت اسم “شاهد 136 بي”، تولت تطويرها قوة الجو-فضاء التابعة للحرس الثوري، وأُنيطت بها مهام خاصة. وتتميز هذه النسخة بقدرتها على التحليق لمدة تتراوح بين 16 و20 ساعة، وبمدى تشغيلي يصل إلى 4 آلاف كيلومتر، إضافة إلى رأس حربي يزن نحو 50 كيلوغراما من المتفجرات، مع استخدام دروع حرارية تقلل البصمة الحرارية للمحرك وتعزز قدرتها على الإفلات من أنظمة الرادار والدفاعات الجوية.









