اقتصاد

هل يواجه الدولار تحديًا حقيقيًا؟ العملات الرقمية والتحولات الكبرى في النظام المالي العالمي

على مدى عقود، شكّل الدولار الأميركي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، إذ يُستخدم في تسعير السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، كما يُعد العملة الأساسية في تسوية غالبية المعاملات التجارية والمالية الدولية، إضافة إلى كونه العملة الرئيسية للاحتياطيات النقدية لدى البنوك المركزية حول العالم.

هذا الحضور الطاغي جعل الدولار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لمئات الملايين من الأفراد، بدءًا من السفر والتجارة الإلكترونية، وصولًا إلى التحويلات المالية العابرة للحدود.

غير أن هذا الواقع بدأ يشهد تصدعات واضحة خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتوسع نطاق العقوبات المالية المفروضة على دول كبرى مثل روسيا، وأخرى إقليمية مثل إيران، فضلًا عن الحروب التجارية التي أعادت سياسات الحماية والرسوم الجمركية إلى الواجهة، وأضعفت الثقة في استقرار النظام المالي القائم.

ودفعت هذه التحولات قوى اقتصادية كبرى، من بينها الصين والاتحاد الأوروبي ودول مجموعة بريكس، إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الدولار، وتعزز استقلالها النقدي والمالي.

اليوان الرقمي.. رهان الصين الاستراتيجي

منذ عام 2020، شرع بنك الشعب الصيني في اختبار اليوان الرقمي داخل عدد من المدن، قبل أن يتوسع نطاق التجربة تدريجيًا ليشمل معظم أنحاء البلاد. وتسعى بكين من خلال هذه العملة الرقمية إلى تعزيز سيادتها النقدية، وتقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.

وأكدت الصين التزامها بدعم نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب، في وقت يتزايد فيه الإقبال على اليوان، مدفوعًا بتراجع الثقة في الأصول الأميركية نتيجة السياسات التجارية والجمركية المتقلبة. وقد دفع ذلك المستثمرين إلى توسيع تحركاتهم بعيدًا عن الدولار الأميركي، باتجاه العملات الآسيوية واليورو، وفق تقارير دولية.

وفي هذا السياق، أعلن بنك الشعب الصيني أن إطارًا مطورًا لإدارة اليوان الرقمي سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2026، بهدف تحسين الحوكمة، وتوسيع نطاق الاستخدام، وتحفيز الإقبال عبر مزايا إضافية، من بينها إمكانية دفع فوائد على الأرصدة الرقمية.

وتشير بيانات رسمية إلى أن حجم معاملات اليوان الرقمي تجاوز 16.7 تريليون يوان حتى نهاية نوفمبر الماضي، ما يعكس تسارعًا ملحوظًا في تبني العملة محليًا، ويفتح الباب أمام توسيع استخدامها على المستوى الدولي.

هل يكسر اليوان الرقمي هيمنة سويفت؟

لطالما سيطر نظام “سويفت” على التحويلات المالية العابرة للحدود، معتمدًا بشكل أساسي على الدولار، حيث تستغرق عمليات التسوية عادة ما بين ثلاثة وخمسة أيام، وتمر عبر عدة بنوك وسيطة، ما يرفع التكاليف ويزيد التعقيدات الإجرائية.

في المقابل، طورت الصين نظامًا رقميًا للتسوية العابرة للحدود باستخدام اليوان الرقمي، ومدعومًا بتقنيات البلوك تشين، يتيح تنفيذ التسويات خلال ثوانٍ وبكلفة أقل بكثير. وقد تجسد هذا التحول في تنفيذ أول تسوية ناجحة بين هونغ كونغ وأبوظبي دون المرور عبر سويفت أو البنوك الوسيطة.

كما شهد عام 2025 إطلاق منصة “إم بريدج” (MBridge)، وهو مشروع مشترك تقوده الصين بالتعاون مع بنك التسويات الدولية وعدد من البنوك المركزية، من بينها الإمارات وتايلاند وهونغ كونغ. وتهدف هذه المنصة إلى دعم المدفوعات العابرة للحدود، وخفض تكاليف المعاملات، وتوفير التسوية الفورية، وتعزيز كفاءة النظام المالي.

وحتى الآن، أنجزت المنصة آلاف العمليات العابرة للحدود بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، وكان لليوان الرقمي النصيب الأكبر من هذه المعاملات، ما يعكس تنامي دوره في هذا المجال.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوات على بعدها التقني فحسب، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية، إذ تتيح لبعض الدول تنفيذ تعاملاتها المالية خارج نطاق الرقابة والعقوبات الأميركية.

اليورو الرقمي.. أوروبا تدافع عن سيادتها النقدية

في القارة الأوروبية، يتزايد القلق من تنامي هيمنة الشركات الأميركية على قطاع المدفوعات الرقمية، ما دفع عشرات الخبراء إلى الدعوة لتسريع إطلاق اليورو الرقمي. ويحذر هؤلاء من أن الاعتماد المفرط على منصات أجنبية قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على أحد أهم عناصر السيادة الاقتصادية.

وتدعم المفوضية الأوروبية خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق العملة الرقمية بحلول عام 2029، معتبرة أن اليورو الرقمي لا يمثل مجرد تطور تقني، بل يشكل أداة استراتيجية لحماية الاستقرار المالي الأوروبي، وضمان استقلال القرار النقدي في مواجهة النفوذ الأميركي المتزايد.

بريكس والعملات المحلية.. مسار لكسر الاحتكار

تضم مجموعة بريكس 11 دولة عضوًا، تمثل نحو نصف سكان العالم وحوالي 40% من الناتج الاقتصادي العالمي، فضلًا عن امتلاكها حصة كبيرة من موارد الطاقة والمعادن الاستراتيجية، ما يمنحها وزنًا متناميًا في الاقتصاد الدولي.

وتعمل دول المجموعة على توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وتقليص الاعتماد على الدولار، مستفيدة من مؤسساتها المالية، وعلى رأسها بنك التنمية الجديد، الذي يوفر تمويلًا بالعملات الوطنية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقلال المالي للدول الأعضاء.

وتُعد الصين المحرك الرئيسي لهذا التوجه، بالنظر إلى ثقلها الاقتصادي، واستثماراتها الضخمة، وتأثيرها الواسع في أسواق دول المجموعة.

مستقبل النظام المالي العالمي

رغم هذه التحولات المتسارعة، لا يبدو أن هيمنة الدولار ستنتهي في المدى القريب، إلا أنها تدخل مرحلة اختبار غير مسبوقة. فمحاولات الصين عبر اليوان الرقمي، وتوجه دول بريكس نحو العملات المحلية، ومساعي أوروبا لإطلاق اليورو الرقمي، كلها مؤشرات على سعي متزايد لإعادة التوازن إلى النظام النقدي الدولي.

وبينما لا تشكل هذه المبادرات بدائل كاملة للدولار في الوقت الراهن، فإنها ترسم ملامح نظام مالي عالمي أكثر تعددية، تتوزع فيه القوة النقدية تدريجيًا، بما قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في قواعد التجارة والتمويل خلال العقود المقبلة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى