ثقافةرأي آخر

نحو تعليم يزاوج بين الأصالة والمعاصرة: قراءة في رؤية الدكتور المختار ولد حنده


في سياقٍ فكري يتقاطع فيه استحضار الذاكرة التاريخية مع رهانات المستقبل، احتضنت مدينة وادان الأثرية، يوم السبت 20 ديسمبر 2025، إحدى أبرز الندوات العلمية ضمن البرنامج الفكري للنسخة الرابعة عشرة من مهرجان مدن التراث. وقدّم الندوة الدكتور المختار ولد حنده، رئيس مركز الدراسات والأبحاث التربوية، تحت عنوان:
«المدن القديمة ورهانات التعليم الحديث: نحو رؤية تربوية تستفيد من التراث وتستشرف المستقبل».
أولاً: مركز الدراسات والأبحاث التربوية ودوره في إصلاح المنظومة التعليمية
استهل الدكتور ولد حنده محاضرته بتأطيرٍ مفاهيمي لدور مركز الدراسات والأبحاث التربوية، باعتباره مؤسسة وطنية مرجعية تُعنى بإنتاج المعرفة التربوية، وتشخيص الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة التعليمية، واقتراح البدائل العلمية الكفيلة بتجويد الأداء التربوي.
وأوضح أن المركز يشكّل ذراعاً بحثياً داعماً لسياسات إصلاح التعليم في موريتانيا، من خلال الدراسات الميدانية، وتحليل المؤشرات الكمية والنوعية، ومواكبة التحولات التربوية بما ينسجم مع أهداف التنمية البشرية وبناء رأس مال بشري مؤهل.
ثانياً: المدن التاريخية بوصفها فضاءات معرفية منتِجة
وفي محورٍ مركزي من مداخلته، قدّم ولد حنده قراءة تحليلية للعلاقة بين المدن التاريخية والتعليم، مؤكداً أن مدناً مثل وادان وشنقيط وتيشيت وولاتة لم تكن مجرد حواضر عمرانية، بل شكّلت عبر قرون طويلة مراكز إشعاع علمي ومعرفي، أسهمت في إنتاج العلماء وتداول العلوم الشرعية واللغوية والعقلية.
وانطلاقاً من هذا المعطى، شدّد على أن التراث العلمي الموريتاني لا ينبغي أن يُختزل في بعدٍ متحفي جامد، بل يجب التعامل معه بوصفه مخزوناً تربوياً حياً قابلاً للتوظيف في بناء المناهج وصياغة التصورات التعليمية الحديثة.
ثالثاً: من التراث إلى المنهج… تحديات الإدماج التربوي
وأكد المحاضر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تمجيد الماضي، بل في تحويل الرصيد الثقافي والرمزي إلى مورد تربوي فعّال، يُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية لدى المتعلم، دون أن يعزله عن معارف العصر وتقنياته.
وفي هذا السياق، دعا إلى صياغة رؤية تعليمية متوازنة، تقوم على:
تعزيز الانتماء الثقافي واللغوي،
الانفتاح النقدي على العلوم الحديثة،
تجنّب ثنائية الانغلاق التقليدي أو الذوبان الثقافي.
رابعاً: مهرجان مدن التراث كفضاء للسيادة المعرفية
تندرج هذه المحاضرة ضمن التحول النوعي الذي يشهده مهرجان مدن التراث، حيث بات منصة فكرية تناقش قضايا التعليم، والهوية، والسيادة المعرفية، بدل الاقتصار على البعد الاحتفالي.
ويهدف الشق العلمي للمهرجان إلى إبراز الدور التاريخي للمدن القديمة في نشر قيم العلم والتسامح، وربط هذا الإرث الحضاري بمتطلبات بناء الدولة الحديثة واقتصاد المعرفة.
خامساً: نقاشات علمية وآفاق مستقبلية
عرفت الندوة تفاعلاً أكاديمياً لافتاً، بمشاركة باحثين وأكاديميين ومسؤولين في قطاع التربية، حيث تناول النقاش قضايا من قبيل:
رقمنة التراث التربوي،
إمكانات الاستفادة من تجربة المحظرة الشنقيطية في دعم التعليم النظامي،
سبل تحقيق التكامل بين التعليم التقليدي والتعليم العصري.
وقد خلص المشاركون إلى أن رؤية الدكتور المختار ولد حنده تشكّل مدخلاً علمياً جاداً لإعادة وصل الطالب الموريتاني بتاريخه العلمي، وبناء تعليم وطني متجذر في هويته، ومنفتح على آفاق العصر.

زر الذهاب إلى الأعلى