ميتا تدخل عصر «الذكاء الاصطناعي الذري» وتعيد رسم خريطة الصراع التكنولوجي

لم يعد التنافس في وادي السيليكون محصورا في امتلاك أفضل الخوارزميات أو أسرع الرقائق الإلكترونية، بل انتقل إلى ساحة أكثر حساسية واستراتيجية، هي أمن الطاقة، مع تصاعد احتياجات الذكاء الاصطناعي وقدرات الحوسبة العملاقة.
ومع إعلان شركة ميتا عن خطتها الطموحة لتأمين 6.6 غيغاواط من الطاقة النووية، دخل العالم فعليا مرحلة جديدة يمكن وصفها بعصر «الذكاء الاصطناعي الذري»، حيث تتكامل القوة الحوسبية الهائلة مع الطاقة النووية المستدامة لضمان تفوق تقني طويل الأمد لا يتأثر بتقلبات الأسواق.
العطش الرقمي ومأزق الطاقة
منذ إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، واجهت شركات التكنولوجيا الكبرى معضلة مزدوجة، أخلاقية وتقنية في آن واحد. فتدريب وتشغيل نماذج متقدمة مثل «إل لاما» وتوسيع قدرات الحوسبة المرتبطة بعالم «الميتافيرس» يتطلبان كميات ضخمة من الكهرباء، في وقت التزمت فيه هذه الشركات بأهداف مناخية صارمة للوصول إلى الحياد الكربوني.
وكانت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الخيارين الأبرز، إلا أن طبيعتهما المتقطعة لا تلائم مراكز البيانات التي تعمل على مدار الساعة بنسبة تقارب الكمال، ما أعاد الاعتبار للطاقة النووية بوصفها طاقة الحمل الأساسي، القادرة على توفير إمدادات مستقرة ونظيفة وعالية الكثافة.
وتعادل القدرة التي تسعى ميتا لتأمينها ما يكفي لتزويد أكثر من خمسة ملايين منزل بالكهرباء، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الشركة على مستقبل الذكاء الاصطناعي.
استراتيجية نووية متعددة المسارات
لم تعتمد ميتا على مصدر واحد لتأمين احتياجاتها، بل صاغت استراتيجية متكاملة تجمع بين حلول الحاضر ورهانات المستقبل، عبر شراكات متنوعة داخل القطاع النووي.
فمن خلال التعاقد مع شركة «فيسترا»، تضمن ميتا إمدادات فورية من محطات نووية قائمة، مع تمويل تحديثات تقنية لرفع كفاءتها، في خطوة تمثل عنصر الأمان العاجل.
وفي موازاة ذلك، دخلت في شراكة مع شركة «أوكلو» لتطوير المفاعلات النمطية الصغيرة، التي تمتاز بإمكانية إنشائها قرب مراكز البيانات، ما يقلل خسائر نقل الطاقة عبر الشبكات الطويلة.
أما الرهان الأكثر تقدما، فيتمثل في التعاون مع شركة «تيراباور» المدعومة من بيل غيتس، والتي تطور مفاعلات تستخدم الصوديوم السائل بدلا من الماء للتبريد، ما يعزز مستويات الأمان ويرفع كفاءة استخدام الوقود النووي.
انعكاسات اقتصادية وتحولات صناعية
لسنوات طويلة، عانت الصناعة النووية الأميركية من الجمود بسبب ارتفاع التكاليف وتعقيد الأطر التنظيمية، غير أن استثمارات ميتا، إلى جانب تحركات مماثلة من مايكروسوفت وغوغل، أعادت الزخم إلى هذا القطاع.
ومن شأن هذه الاستثمارات أن تخلق آلاف الوظائف عالية التخصص في ولايات مثل أوهايو وبنسلفانيا، وأن تسهم في تحويل ما كان يعرف بـ«حزام الصدأ» إلى مركز جديد لطاقة المستقبل.
كما أن اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأمد التي تبرمها شركات التكنولوجيا تقلل من المخاطر المالية على مطوري المفاعلات، وتشجع المؤسسات المصرفية على تمويل مشاريع كانت تصنف سابقا على أنها عالية المخاطر.
تحديات القبول والعدالة الطاقية
ورغم التفاؤل المحيط بهذه الخطوة، تواجه خطة ميتا تحديات كبيرة، أبرزها طول المدة اللازمة للحصول على التراخيص البيئية والأمنية، حتى بالنسبة للمفاعلات الصغيرة.
ويضاف إلى ذلك عامل القبول الشعبي، إذ يثير إنشاء مفاعلات نووية قرب التجمعات السكانية أو مراكز البيانات مخاوف تتعلق بالسلامة وإدارة النفايات النووية.
كما يطرح مراقبون تساؤلات حول «عدالة الطاقة»، في ظل مخاوف من أن يؤدي سعي الشركات العملاقة لتأمين احتياجاتها الخاصة إلى الضغط على سلاسل إمداد اليورانيوم أو احتكار مواقع استراتيجية، ما قد ينعكس على تكاليف الطاقة المخصصة للمرافق العامة والمستهلكين العاديين.
السباق نحو السيادة الحوسبية
ويرى خبراء أن خطوة ميتا تندرج ضمن سباق عالمي نحو ما يمكن تسميته «السيادة الحوسبية»، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيقات استهلاكية، بل أداة من أدوات القوة الوطنية والاقتصادية.
ومن يمتلك الطاقة القادرة على تشغيل أضخم الحواسيب ومراكز البيانات، يمتلك القدرة على تطوير أسرع الحلول في مجالات الطب والدفاع والاقتصاد.
ومن خلال تأمين 6.6 غيغاواط من الطاقة النووية، تحصن ميتا نفسها ضد تقلبات أسواق الطاقة، وتضمن استمرار تشغيل بنيتها التحتية الرقمية دون انقطاع.
ويعتبر كثير من الخبراء أن إعلان ميتا يشكل نقطة تحول تاريخية، تنهي المرحلة التي كانت فيها شركات التكنولوجيا تركز على البرمجيات فقط، لتتحول إلى كيانات «تكنو-صناعية» عابرة للحدود، تبني محطات الطاقة الخاصة بها وتسهم في صياغة السياسات المناخية العالمية.
وإذا نجحت الشركة في تنفيذ هذه الخطة بحلول عام 2035، فإنها لن تضمن مستقبلها التقني فحسب، بل قد تقود العالم نحو نموذج جديد من التنمية المستدامة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.









