تحقيقات

مهرجانات المدن القديمة في موريتانيا: بين زينة الاحتفاء وجوهر التنمية

بعد أيام من انتهاء مهرجان وادان الثقافي، يعود الهدوء إلى المدينة العتيقة، لكن ما يبقى ليس أثراً للتنمية ولا بصمةً للحضارة، بل أكوام من القمامة وذكريات احتفالية عابرة. المشهد يتكرر كل عام في مدن تاريخية مثل وادان وشنقيط وتيشيت: خيام تُقوض، وفنانون يغادرون، ووعود تتبخر، بينما تظل معاناة السكان ومعوقات التنمية كما هي.

الطريق الوعر والوعد الغائب

ما تزال الطريق إلى وادان صعبة، والصعود إلى كدية ولد أبنو يحتاج إلى جهد كبير، وطريق وادان-أطار لا يزال حبراً على ورق. المواطن الوداني الذي ينتظر أن يلمس أثر المهرجان في حياته اليومية لا يجد سوى بضع دراهم من تأجير منزله، أو فرصة مؤقتة لبيع بعض السلع. أما التنمية الحقيقية – الطرق المعبدة، المدارس النموذجية، المراكز الصحية، مشاريع السياحة المستدامة – فتبقى حلماً بعيداً.

وادان: تاريخ عريق وحاضر مغيب

هذه المدينة التي شهدت تحولات تاريخية كبرى، وكانت نقطة انطلاق لإعادة توزيع السكان في البلاد، تستحق أكثر من مجرد أهازيج شعرية أو رقصات فولكلورية. وادان لا تحتاج إلى من يذكرها بمجدها التاريخي، بل إلى من يعيد لها روح الحياة عبر مشاريع تنموية حقيقية. بإمكانها أن تكون مركزاً لإنتاج التمور، ومنطقة رائدة في التنمية الحيوانية، ووجهة سياحية ثقافية فريدة إذا ما وجدت الدعم والرؤية.

احتفالية بلا مضمون

المشكلة تكمن في النهج الاحتفالي السطحي الذي يغلب على التعامل مع المدن التاريخية. فبدلاً من أن تكون المهرجانات تتويجاً لعمل تنموي متكامل، تتحول إلى غاية في حد ذاتها، تستنزف الموارد وتكرس صورة نمطية تفتقر إلى الرؤية المستقبلية. كما أن تكرارها السنوي دون تحقيق إنجازات ملموسة يجعلها مجرد “باب من أبواب الفساد” وإهدار للمال العام.

نحو رؤية جديدة: من الاحتفال إلى التنمية

المطلوب اليوم هو مراجعة جذرية لهذه النمطية. لماذا لا تكون مهرجانات المدن القديمة كل خمس سنوات، ترتبط ببرامج تنموية حقيقية: ترميم معماري أصيل، شق طرق، إيصال خدمات أساسية، إطلاق مشاريع اقتصادية مستدامة؟ لماذا لا تُوجه الموارد نحو إنشاء محاظر نموذجية تجمع بين الأصالة والحداثة، أو دعم الزراعة والنشاط الرعوي في واحات المنطقة؟

وادان وأخواتها من المدن التاريخية ليست مجرد ديكورات لالتقاط الصور، ولا مسارح لخطب منمقة. إنها مجتمعات حية تستحق العيش الكريم، وهي قادرة على أن تكون محركات للتنمية إذا ما أُعطيت الفرصة.

ختاماً، لن تتحقق التنمية بالقصائد المترهلة ولا بالرقصات الفلكلورية، بل بالتخطيط العلمي والإرادة السياسية والموارد الموجهة نحو الأولويات. آن الأوان لأن تتحول مهرجاناتنا من فسحة احتفالية عابرة إلى محطات حقيقية على طريق إحياء الريف الموريتاني وتمكينه. فالمدينة التي تروي تاريخ أمة، أحق بأن تعيش حاضراً يليق بتلك الرواية.

زر الذهاب إلى الأعلى