من كسر الزجاج إلى صالات المزاد: الرحلة الخفية لسرقة الآثار والمجوهرات الملكية

قد تختفي قطعة أثرية أو مجوهرات ملكية من خلف زجاج متحف مؤمّن في غضون ساعات، دون أن تترك أي أثر، قبل أن تعود للظهور بعد سنوات في مزاد دولي بوثائق جديدة وسجل ملكية مختلف كليًا. هذا المشهد ليس استثناءً، بل يتكرر على نطاق واسع في عالم الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
ويصنّف تقرير الإنتربول لعام 2023 هذا النوع من الاتجار ضمن أخطر أسواق الجريمة المنظمة عالميًا، مقدّرًا خسائره بمليارات الدولارات سنويًا. غير أن لحظة السرقة نفسها لا تمثل سوى جزء صغير من قصة طويلة تبدأ قبل ذلك بكثير.
تشير اليونسكو ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن أخطر مراحل الجريمة وأكثرها حساسية هي مرحلة الاستطلاع، حيث تمضي العصابات أسابيع وربما شهورًا في مراقبة المتاحف ومواقع العرض، ودراسة تحركات الحراس، وزوايا الكاميرات، ومسارات الزوار، وحتى تفاصيل دقيقة مثل ارتفاع منصات العرض. وتستخدم بعض الشبكات أدوات تصوير متناهية الصغر مدمجة في نظارات أو أقلام لجمع المعلومات.
كما تعتمد هذه العصابات على خبراء فن لتحديد القطع الأكثر قابلية للبيع في السوق السوداء، فالقطعة لا تُسرق لندرتها فقط، بل لقيمتها التجارية، وخفة وزنها، وإمكانية تفكيكها أو إخفائها أو إعادة تدويرها دون إثارة الشبهات. وبعد اكتمال هذه المرحلة، قد لا تستغرق العملية الهجومية نفسها سوى دقيقة واحدة.
في هذا السياق، برزت عملية سرقة متحف “القبو الأخضر” في دريسدن بألمانيا عام 2019، والتي استولت خلالها عصابة محترفة على 21 قطعة من المجوهرات الملكية خلال دقائق معدودة. ورغم خطورتها، بقيت العملية ضمن إطار السطو الاحترافي. غير أن عملية سطو أخرى في متحف اللوفر بباريس، وقعت في وضح النهار واستغرقت سبع دقائق فقط، كشفت خللًا أمنيًا بالغ الخطورة في مؤسسة تمثل رمزًا وطنيًا، وفق توصيف وزير الثقافة الفرنسي آنذاك.
بعد مغادرة القطع المسروقة موقعها الأصلي، تبدأ مرحلة الإخفاء، وهي الأكثر مراوغة وتعقيدًا. فقد تُفكك القطع الثمينة أو تُستبدل بنسخ عالية الدقة تُصنع في ورش سرية، خاصة في أوروبا الشرقية، حيث يصعب التمييز بين الأصل والتقليد بالعين المجردة. وخلال ما يُعرف بـ“النافذة الزمنية الحرجة”، تُنقل القطع الحقيقية عبر الحدود قبل اكتشاف عملية الاستبدال.
غالبًا ما تُهرّب هذه القطع ضمن شحنات قانونية تمامًا، مثل الأثاث أو التحف الرخيصة، باستخدام شركات نقل خاصة أو مسارات غير رسمية، لا سيما في منطقة البلقان التي أصبحت ممرًا رئيسيًا للقطع المنهوبة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب تقارير اليوروبول. ومع ذلك، لا تكون الوجهة النهائية غالبًا هناك، بل في سويسرا، وتحديدًا جنيف.
تحولت جنيف خلال العقود الأخيرة إلى مركز عالمي لتخزين الأعمال الفنية، بفضل ما يُعرف بالمستودعات الحرة أو “الفريبورت”، التي تسمح بتخزين مقتنيات عالية القيمة دون رسوم جمركية، ودون الكشف عن هوية المالك، أو إلزام المستودع بسجلات ملكية مفصلة. وقد انتقدت تقارير رسمية سويسرية غياب الشفافية داخل هذه المستودعات، في حين لا تُصنف الأعمال الفنية كأصول عالية المخاطر في قوانين مكافحة غسل الأموال.
داخل هذه المستودعات، تبدأ ولادة ثانية للقطعة المنهوبة عبر تزوير سجل ملكية جديد بالكامل، باستخدام فواتير بيع مزورة، وشهادات تقدير، ووثائق شحن مؤرخة بتواريخ قديمة، بل وحتى نسب القطعة إلى مجموعات خاصة وهمية. وبمجرد اكتمال هذا السجل، تصبح القطعة في نظر السوق “قانونية”، مهما كان تاريخها الحقيقي مفقودًا.
بعد ذلك، تنتقل القطع إلى صالات المزادات الكبرى في لندن أو نيويورك، حيث تعتمد هذه المؤسسات في الغالب على الوثائق المقدمة من البائع، ولا تفتح تحقيقًا معمقًا في تاريخ الملكية إلا عند وجود إشارات خطر واضحة. وهكذا تكتسب القطعة شرعيتها النهائية عبر الورق، لا عبر الحقيقة.
في مواجهة هذه الشبكات المعقدة، تقف وحدات متخصصة تُعرف بشرطة التحف، أبرزها وحدة الكارابينيري الإيطالية التي استعادت أكثر من 1.2 مليون قطعة خلال عقد واحد، لتصبح نموذجًا دوليًا في هذا المجال. كما يلعب مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي دورًا متقدمًا عبر تتبع المسارات المالية للجريمة، واستعادة آلاف القطع بالتعاون مع دول عدة.
وعلى المستوى الأوروبي، تقود يوروبول عمليات مشتركة أسفرت عن ضبط عشرات الآلاف من القطع الأثرية، محذّرة من أن السوق السوداء للتراث الثقافي باتت إحدى قنوات تمويل الجريمة المنظمة العابرة للحدود. ومع ذلك، لا تتجاوز نسبة النجاح في استعادة القطع المسروقة عالميًا 10%، وفق تقرير الإنتربول لعام 2023.
في نهاية المطاف، لا تسرق هذه الجرائم قطعًا مادية فحسب، بل تغتال جزءًا من الذاكرة الجماعية للبشرية. فالقطعة التي كان يفترض أن تكون متاحة للجميع تتحول إلى ملكية خاصة، والتاريخ الذي كان مشتركًا يصبح حبيس صندوق مغلق. وكما تؤكد اليونسكو، فإن سرقة أي أثر ثقافي تمثل فقدانًا لا يمكن تعويضه لجزء من تاريخ الإنسانية.







