ثقافة

من تندوف إلى ازويرات: هل تفتح الطاقة الجزائرية نافذة الخلاص لموريتانيا؟

في لحظة إقليمية تتسم بالاضطراب وارتفاع كلفة الطاقة عالميًا، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تؤمّن احتياجاتها الطاقوية دون الارتهان للأسواق البعيدة وتقلباتها؟ في هذا السياق، يبرز خيار التوجه نحو الجزائر ليس كبديل ظرفي، بل كمشروع استراتيجي قادر على إعادة رسم خريطة الطاقة في غرب إفريقيا.

الحديث هنا لا يتعلق فقط باستيراد الوقود، بل ببناء شراكة طاقوية عميقة، تتجاوز منطق السوق إلى منطق التكامل.

الجزائر: شريك طبيعي لا بديل مؤقت

تمتلك الجزائر كل المقومات التي تجعلها الشريك الأنسب لموريتانيا في هذا المجال. فهي دولة طاقوية بامتياز، تجمع بين وفرة الموارد وخبرة تقنية طويلة راكمتها عبر مؤسسات رائدة مثل سوناطراك. هذه الخبرة لا تقتصر على الإنتاج، بل تمتد إلى النقل، التخزين، والتسيير الاستراتيجي للقطاع.

والأهم من ذلك، أن القرب الجغرافي بين البلدين يمنح هذا الخيار بعدًا عمليًا لا يتوفر في الشراكات البعيدة.

طريق تندوف – ازويرات: من ممر تجاري إلى شريان طاقوي

لم يعد الطريق الرابط بين تندوف وازويرات مجرد مشروع بنية تحتية عابر، بل يمكن أن يتحول إلى العمود الفقري لمنظومة طاقوية جديدة.

في مرحلته الأولى، يتيح هذا الطريق نقل الوقود والغاز عبر الشاحنات، وهو حل سريع ومرن قادر على تلبية الحاجيات العاجلة، خصوصًا في الشمال الموريتاني. لكن قيمته الحقيقية تكمن في ما يمكن أن يُبنى عليه لاحقًا.

إنه ليس طريقًا فقط، بل بداية ممر استراتيجي يمكن أن يحمل مستقبل الطاقة في المنطقة.

من النقل البري إلى الأنابيب: مسار تدريجي واقعي

لا يمكن القفز مباشرة إلى مشاريع ضخمة دون تدرج مدروس. لذلك، يبدو المسار الأكثر واقعية قائمًا على ثلاث مراحل:

  • أولًا: تأمين الإمدادات عبر النقل البري المنتظم، بما يضمن استقرار السوق المحلية.
  • ثانيًا: إنشاء مخازن استراتيجية في ازويرات ونواذيبو، وربما لاحقًا في نواكشوط، لتأمين احتياطي دائم وتقليل الهشاشة.
  • ثالثًا: الانتقال إلى مشروع أنبوب طاقوي يربط تندوف بالشمال الموريتاني، وهو مشروع مكلف، لكنه حاسم على المدى الطويل.

بهذا التدرج، تتحول العلاقة من تبادل تجاري إلى تكامل بنيوي.

أبعد من الاستيراد: نقل المعرفة وبناء السيادة

الرهان الحقيقي لا يكمن في شراء الطاقة، بل في اكتساب القدرة على إدارتها. وهنا تبرز أهمية الاستفادة من التجربة الجزائرية في:

  • تكوين الكفاءات الوطنية
  • تطوير قدرات التخزين والتكرير
  • إنشاء شركات مشتركة
  • دعم استغلال الغاز الموريتاني

بهذا المعنى، يمكن لموريتانيا أن تنتقل من موقع المستهلك إلى موقع الفاعل في السوق الطاقوية.

رهانات سياسية واقتصادية

مثل هذا المشروع لا يخلو من التحديات: التمويل، التنسيق السياسي، الأمن، وبيروقراطية المنطقة المغاربية. لكن في المقابل، فإن مكاسبه تفوق مخاطره:

  • تعزيز الأمن الطاقوي
  • خفض التكاليف
  • تنمية المناطق الداخلية
  • تقوية الاستقلال الاقتصادي

بل أكثر من ذلك، يمكن أن يشكل نواة لإحياء حلم التكامل المغاربي الذي ظل معلقًا لعقود.

الخلاصة: فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل

إن الربط الطاقوي بين موريتانيا والجزائر ليس خيارًا تقنيًا فحسب، بل هو قرار سيادي بامتياز. طريق تندوف – ازويرات قد يكون البداية، لكنه ليس النهاية. ما لم يُستثمر هذا المشروع ضمن رؤية شاملة، سيظل مجرد طريق في الصحراء.

أما إذا أُحسن توظيفه، فقد يتحول إلى شريان حياة اقتصادي، يعيد رسم موقع موريتانيا في خريطة الطاقة الإقليمية.

السؤال اليوم ليس: هل يمكن تحقيق ذلك؟
بل: هل تملك الإرادة لتحويل الفرصة إلى واقع؟

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى