ملف المختبر الجنائي يشهد تحقيقات متسارعة وملامح أزمة أعمق تطفو في قلب المنظومة الأمنية والاقتصادية

هل تتجه الحكومة إلى “تنظيف المربع الأمني”؟
إحالة ملف المختبر الجنائي للشرطة إلى إدارة شرطة الجرائم الاقتصادية والمالية تمثل تحولاً سياسياً لافتاً. فالملف لم يعد مجرد نزاع إداري حول صفقة عمومية، بل بات مؤشراً على:
- تشدد حكومي متزايد تجاه شبهات الفساد داخل القطاعات الحسّاسة، خصوصاً المؤسسة الأمنية التي تُعد ركيزة أساسية لهيبة الدولة.
- رغبة السلطة التنفيذية في إرسال رسالة سياسية مزدوجة:
- إلى الداخل: مفادها أن “لا أحد فوق القانون” حتى لو تعلق الأمر بصفقات في صميم المنظومة الأمنية.
- إلى الخارج: طمأنة الشركاء الدوليين بأن البلاد تتحرك نحو ممارسات أكثر شفافية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بمكافحة الجريمة والإرهاب.
- تداخل الملف مع توازنات داخلية حساسة؛ فإحالة الملف إلى القضاء ثم إلى الجرائم الاقتصادية يوحي بأن السلطات تريد معالجة القضية بعيداً عن الحسابات الضيقة، وبطريقة “مؤسساتية” تقلل من الجدل السياسي.
من زاوية أخرى، يكشف الملف عن إحراج واضح لوزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني، إذ إن أي خلل أو شبهات سوء تسيير داخل مشروع بهذا الحجم قد يُستخدم سياسياً من طرف المعارضة لتعزيز خطابها حول ضعف الرقابة داخل المؤسسات السيادية.
صفقة مختبر صغير… لكن كلفتها تؤثر على ثقة السوق
اقتصادياً، لا يُعد المختبر الجنائي مشروعاً ضخماً من حيث القيمة المالية مقارنة بصفقات البنية التحتية أو الطاقة، لكنه في تأثيره الرمزي والاقتصادي كبير جداً لعدة أسباب:
1. مخاطر مالية محتملة
أي تلاعب أو فساد داخل صفقة تقنية حساسة قد يكشف:
- تضخيماً في الأسعار
- شراء تجهيزات غير مطابقة
- مسارات تمويل غير شفافة
وهذا النوع من الملفات يسحب الثقة من قدرة المؤسسات على إدارة الصفقات الأمنية ذات الطابع العلمي.
2. تأثير مباشر على مناخ الأعمال
رجال الأعمال المحليون والموردون الدوليون يتابعون هذا النوع من التحقيقات عن كثب. انكشاف فساد في مشروع أمني دقيق يرسل إشارة سلبية عن بيئة الصفقات العمومية، ما قد يؤدي إلى:
- تردد الشركات الأجنبية في الدخول في المناقصات الرسمية
- زيادة تكلفة التأمين والمخاطر على العقود الحكومية
- ارتفاع كلفة المشاريع نتيجة احتياطات الشركات في التسعير
3. العلاقة مع توازنات الدعم الدولي
المختبرات الجنائية عادة ما ترتبط بعلاقات تعاون مع:
- الاتحاد الأوروبي
- فرنسا
- الأمم المتحدة
لذلك، أي خلل في تسيير مثل هذا المشروع يمكن أن يضعف مستوى الثقة لدى المنظمات الممولة، ما قد ينعكس على دعم مشاريع مستقبلية في مجالات الأمن والعدالة.
قراءة عامة في الملف :
تحركات النيابة وإحالة الملف بهذه السرعة تعكس أن:
- الدولة تتجه إلى مرحلة جديدة من ضبط الصفقات العمومية
- المؤسسات الأمنية قد تخضع لتدقيق أعمق خلال الفترة القادمة
- مكافحة الفساد لم تعد “شعاراً” بل أصبحت أداة سياسية واقتصادية تصنع التوازنات داخل النظام ومع الشركاء الدوليين
وبذلك، فإن ملف المختبر الجنائي رغم حجمه المحدود، يكشف اختباراً لنموذج الحوكمة الجديد الذي تعمل موريتانيا على ترسيخه، ويضع المنظومة الأمنية والاقتصادية على عتبة مساءلة قد تعيد رسم كثير من الخطوط داخل الدولة.









