مقتل علي خامنئي يشعل لحظة مفصلية في تاريخ إيران والمنطقة

في مساء العاشر من رمضان، الموافق 28 فبراير/شباط 2026 بتوقيت طهران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الضربات الافتتاحية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران فجر ذلك اليوم. إعلانٌ وضع طهران والمنطقة بأسرها أمام منعطف تاريخي تتجاوز تداعياته حدود الجغرافيا الإيرانية.
وعند الخامسة فجر الأحد، الأول من مارس/آذار، بثّ التلفزيون الإيراني بيان نعي رسمي، مؤكدًا استهداف خامنئي في أعنف هجوم تتعرض له إيران منذ انتصار ثورتها عام 1979. ومع انتشار الخبر، انفتحت دفاتر حياة الرجل دفعة واحدة: من أزقة مشهد المتواضعة إلى هرم السلطة في طهران، ومن البكاء المكتوم في ضاحية بيروت الجنوبية إلى مشاهد الاحتفال في مدن سورية أنهكتها سنوات الصراع.
يمثل هذا التقرير قراءة في مسيرة المرشد الأعلى، وفي التكوين الفكري والسياسي الذي صاغ شخصيته، من صحبته للإمام روح الله الخميني، إلى نجاته من محاولة اغتيال كادت تودي بحياته، وتأثره المبكر بأفكار جمال عبد الناصر وكتابات سيد قطب، وصولًا إلى موقعه بوصفه قائدًا لمحور إقليمي مثير للجدل.
في يوليو/تموز 2025، وقبل أشهر من مقتله، ظهر خامنئي في حسينية بطهران خلال إحياء عاشوراء. جلس الحضور في صمتٍ مهيب قبل أن ينفرج الستار عن شيخ نحيل بعمامة سوداء وعباءة داكنة، يرفع يده اليسرى لتحية المرددين: “لبيك يا خامنئي”. كان ذلك أول ظهور له بعد غياب أعقب تصعيدًا عسكريًا مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، وصفه بعض المعلقين بـ”الغيبة الصغرى”، في استعارة من التراث الشيعي.
منذ توليه منصب المرشد عام 1989 خلفًا للخميني، أصبح خامنئي محور الحياة السياسية الإيرانية، مستندًا إلى مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه صلاحيات واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة، وتوجيه السياسة الخارجية، والإشراف على السلطات الدستورية. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، بقي صاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية.
انقسمت الآراء حول إرثه. أنصاره رأوه رمز الثبات وحامي المشروع الثوري الممتد من فلسطين إلى لبنان واليمن، جامعًا بين المرجعية الدينية والحنكة السياسية. أما منتقدوه فاتهموه بتركيز السلطة في يده وتعميق الاستقطاب الداخلي والإقليمي، وتحويل النظام إلى بنية شديدة المركزية ذات قبضة أمنية محكمة.
يصعب فهم إيران المعاصرة من دون استحضار خامنئي؛ فهو لم يكن مجرد رجل دين أو سياسي تقليدي، بل عقدة تتقاطع عندها خيوط الثورة والحرب والبرنامج النووي والعقوبات والصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي. سيرته من مشهد إلى قمة السلطة تختصر تحولات إيران الحديثة بكل تناقضاتها.
وُلد علي الحسيني خامنئي في أبريل/نيسان 1939 بمدينة مشهد لعائلة متواضعة من رجال الدين. نشأ في بيئة دينية مشبعة بروح المقاومة للنفوذ الأجنبي. وعندما كان في الثانية عشرة، شهد صعود رئيس الوزراء محمد مصدق الذي أمّم شركة النفط الأنغلو-إيرانية، في خطوة أنهت الهيمنة البريطانية على نفط البلاد. لكن الانقلاب المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والمخابرات البريطانية عام 1953 أعاد الشاه إلى السلطة، وترك أثرًا عميقًا في وعي الجيل الشاب.
في تلك السنوات، لمع نجم جمال عبد الناصر في مصر، خاصة بعد تأميم قناة السويس عام 1956 ومواجهة العدوان الثلاثي. مثّل ناصر نموذجًا للاستقلال الوطني ومقاومة الهيمنة الغربية، وهو نموذج وجد صداه لدى كثير من الشباب الإيرانيين، بينهم خامنئي.
إلى جانب التأثر بالمد القومي، انجذب خامنئي إلى كتابات سيد قطب، لا سيما “المستقبل لهذا الدين” و“الإسلام ومشكلات الحضارة”، اللذين ترجمهما إلى الفارسية. لم تكن الترجمة جهدًا لغويًا فحسب، بل تعبيرًا عن تماهٍ فكري مع أطروحات العدالة الاجتماعية ومقاومة “الجاهلية المعاصرة”. وظلت مفردات مثل “الاستكبار العالمي” و“الغزو الثقافي” حاضرة في خطابه لعقود.
في أواخر الستينيات، ومع تصاعد قمع جهاز السافاك، انخرط خامنئي في نشاط سياسي سري، وشارك في تأسيس دار نشر لنشر الأدبيات الثورية. تعرّض للاعتقال مرارًا، ونُفي إلى مناطق بعيدة، لكنه استثمر المنفى لتوسيع شبكة علاقاته، بما في ذلك مع علماء سنة في مناطق نائية.
تتلمذ خامنئي في حوزات مشهد وقم والنجف، وتأثر بمرجعيات عدة، لكن علاقته بالخميني كانت الأكثر حسمًا. بعد وفاة المرجع الأعلى حسين البروجردي عام 1961، تصاعد الدور السياسي للخميني الذي عارض “الثورة البيضاء” للشاه. شارك خامنئي في تعبئة العلماء قبيل انتفاضة يونيو/حزيران 1963، واعتُقل للمرة الأولى وهو في الرابعة والعشرين.
مع نفي الخميني عام 1964، أصبح خامنئي أحد أبرز تلاميذه الناشطين. خطبه المناهضة للنظام جلبت له الاعتقال والسجن الانفرادي، لكنه وصف تلك التجارب لاحقًا بأنها “جامعة أخرى” صقلت شخصيته.
بحلول سبعينيات القرن الماضي، كان جزءًا من شبكة علماء معارضين مهّدت لثورة 1979. وبعد انتصارها، صعد تدريجيًا في هرم السلطة حتى تولى منصب المرشد الأعلى عام 1989، ليقود إيران في مرحلة اتسمت بالصدام مع الغرب، وتوسيع النفوذ الإقليمي، وتطوير البرنامجين الصاروخي والنووي.
برحيله في ضربة عسكرية مفاجئة، تُطوى صفحة شخصية شكلت معالم الجمهورية الإسلامية لأكثر من ثلاثة عقود. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت إيران ستواصل النهج ذاته الذي رسخه خامنئي، أم أن غيابه سيفتح الباب أمام تحولات سياسية عميقة تعيد رسم ملامح النظام والمنطقة معًا.









