تكنولوجيا

معارضة مراكز البيانات في أمريكا.. هل تستغل الصين الغضب الشعبي لتعطيل سباق الذكاء الاصطناعي؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

بدأ سباق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة داخل المختبرات، لكنه سرعان ما تجاوز حدود البرمجيات والنماذج التقنية، ليتحول إلى منافسة تتطلب بنية تحتية ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء والمياه والأراضي. ومع توسع إنشاء مراكز البيانات، انتقل جانب من الصراع على مستقبل هذه التكنولوجيا إلى المجتمعات المحلية، حيث يتزايد قلق السكان من الأعباء البيئية والاقتصادية المصاحبة لهذا التوسع.

ورغم الوعود التي تقدمها الشركات بشأن توفير الوظائف وجذب الاستثمارات وتعزيز التفوق الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن انتشار مراكز البيانات أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكاليف هذا السباق، وما إذا كانت فوائده ستعود على المجتمعات التي تستضيف هذه المنشآت أم ستتحمل تلك المجتمعات أعباءها دون مكاسب متناسبة.

ومع اتساع المعارضة الشعبية ووصولها إلى سياسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، دخلت الصين إلى المشهد، لتتجاوز القضية حدود الخلاف حول استهلاك الموارد والبنية التحتية، وتصبح جزءا من نقاش أوسع يتعلق بالتدخل الأجنبي والأمن القومي والمنافسة بين واشنطن وبكين على قيادة قطاع الذكاء الاصطناعي.

حين أصبح الغضب الأمريكي قضية مرتبطة بالصين

في أواخر أغسطس/آب، أعلنت منصة «إكس» رصد نحو 200 حساب قالت إنها مرتبطة بالصين، وإنها ساهمت في نشر رسائل تنتقد مراكز البيانات الأمريكية. وسرعان ما تحولت هذه المعلومات إلى محور للنقاش السياسي والإعلامي، ووصلت إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي حذر من أن الصين لا يمكن أن تكون أكثر سعادة من تنامي الحركة المعارضة لهذه المنشآت.

لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدا عند فحص الأدلة المتاحة، إذ لا تثبت المعلومات المنشورة أن بكين أنشأت حركة المعارضة الأمريكية أو تسببت في ظهورها. وتشير معطيات نقلتها مجلة «وايرد» عن شركة «غرافيكا» المتخصصة في تحليل النشاط الرقمي وعمليات التأثير عبر الإنترنت، إلى أن الجزء الأكبر من المعارضة التي ظهرت على الشبكات الاجتماعية كان مصدره داخل الولايات المتحدة.

وكانت شركة «أوبن إيه آي» قد ذكرت في تقرير سابق أن عملية تأثير مرتبطة بالصين استغلت حالة الاستياء القائمة بالفعل تجاه مراكز البيانات، وهو ما يطرح فارقا جوهريا بين محاولة جهة أجنبية استثمار الغضب الشعبي وبين إثبات أنها تسببت فيه أو نجحت في توجيهه.

فإذا كان الأمريكيون يعترضون على هذه المنشآت بسبب استهلاك الكهرباء والمياه، وتأثيرها في الأراضي والبيئة، والتكاليف التي قد يتحملها السكان، فإن السؤال الأساسي يصبح: هل تحاول الصين استغلال اعتراضات نشأت محليا، أم أن التركيز على التدخل الأجنبي يسهم في تحويل قضية اقتصادية وبيئية إلى ملف مرتبط بالأمن القومي؟

ماذا تكشف الأبحاث عن الحسابات المنسوبة إلى الصين؟

لفهم حجم التأثير المحتمل، لا يكفي رصد حسابات مشبوهة أو محتوى مرتبط بجهات أجنبية، بل يتطلب الأمر التحقق من مصدر النشاط، وقياس مدى انتشاره، ومعرفة ما إذا كان قد غيّر مواقف الجمهور أو أثر في مسار النقاش العام.

وفي هذا السياق، قال دارن لينفيل، أستاذ الاتصال في جامعة كليمسون الأمريكية والرئيس المشارك لمركز «وات فاميلي» للابتكار في الأدلة الجنائية الإعلامية، إنه لم ير دليلا على أن عمليات التأثير المرتبطة بالصين أحدثت تغييرا في حركة المعارضة الأمريكية لمراكز البيانات.

وأوضح لينفيل، في تصريحات للجزيرة نت، أنه بحث في المسألة ولم يجد أدلة تثبت أن تلك العمليات أثرت في مواقف الأمريكيين أو في طبيعة الخطاب المعارض لهذه المنشآت. ويرى أن حجم النقاش واتساعه يجعلان من الصعب على نشاط رقمي غير أصيل أن يغير اتجاهه بصورة ملموسة.

ويشير الباحث إلى أن المعارضة لمراكز البيانات تحظى بحضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها تستند أيضا إلى مخاوف واقعية تمس حياة السكان اليومية، وهو ما يدفع أشخاصا حقيقيين إلى التعبير عن مواقفهم بصورة مستقلة عن أي حملات منظمة.

ويشبه لينفيل محاولة التأثير في نقاش بهذا الحجم بمحاولة تغيير مسار ناقلة نفط ضخمة، في إشارة إلى صعوبة توجيه حركة اجتماعية واسعة تتغذى على أسباب اقتصادية وبيئية ملموسة.

ما المعايير اللازمة لإثبات وجود تأثير صيني؟

يرى لينفيل أن إثبات وجود عملية تأثير صينية ناجحة يتطلب توافر عنصرين أساسيين: أولهما وجود نشاط واسع يمكن إسناده بوضوح إلى جهة صينية، وثانيهما تقديم أدلة على أن هذا النشاط أحدث تأثيرا فعليا في النقاش الأمريكي.

ووفقا لتقييمه، فإن الأدلة المتاحة لا تحقق هذين الشرطين بصورة كافية. فإلى جانب محتوى نشرته وسائل إعلام حكومية صينية وركز في الغالب على الترويج لمراكز البيانات داخل الصين، رُصدت مئات الحسابات الآلية التي نسبت «أوبن إيه آي» نشاطها إلى الصين، قبل أن تعلن منصة «إكس» اكتشاف حسابات مرتبطة بالنشاط نفسه.

لكن وجود هذه الحسابات لا يثبت، في حد ذاته، أنها تمكنت من الوصول إلى جمهور واسع أو التأثير في مواقف المستخدمين. ويقول لينفيل إن الحسابات المرتبطة بالعملية التي رصدتها «أوبن إيه آي» كانت تنشر محتوى محدودا، ولم تكن تحظى بمتابعات تُذكر، ما يرجح أن منشوراتها لم تصل إلى عدد كبير من المستخدمين الحقيقيين.

ويلخص الباحث تقييمه بأن تلك الحسابات كانت تنشر رسائلها دون أن تجد جمهورا فعليا يتفاعل معها، مشيرا إلى أن ما اطلع عليه لا يتجاوز أدلة محدودة على محاولات للتأثير، من دون إثبات نجاحها في تغيير اتجاه المعارضة.

هل تبحث صناعة الذكاء الاصطناعي عن كبش فداء؟

يطرح لينفيل تفسيرا آخر للرواية التي تربط المعارضة الأمريكية لمراكز البيانات بالتدخل الصيني، إذ يرى أن شركات الذكاء الاصطناعي قد تكون مستفيدة من تحميل جهة خارجية مسؤولية جزء من الاستياء الشعبي الذي تواجهه.

ويقول الباحث إنه لا يتبنى موقفا دفاعيا عن الصين، لكنه يعتقد أن تصوير المعارضة باعتبارها نتيجة لتدخل أجنبي قد يوفر لصناعة الذكاء الاصطناعي وسيلة لتجاوز الأسئلة المتعلقة بأسباب الغضب المحلي. فبدلا من التركيز على استهلاك الموارد وتكاليف البنية التحتية وتأثيرها في السكان، قد يتحول الاهتمام إلى مسألة الأمن القومي والتنافس مع بكين.

ولا يعني ذلك استبعاد احتمال وجود عمليات تأثير أجنبية، بل يقتضي الفصل بين رصد هذه العمليات وإثبات قدرتها على التأثير في الرأي العام. كما أن وجود حسابات مرتبطة بجهة خارجية لا يلغي الأسباب المحلية التي تدفع السكان إلى رفض بعض المشروعات أو المطالبة بفرض قيود عليها.

وتكشف هذه القضية عن تعقيد متزايد في سباق الذكاء الاصطناعي الأمريكي؛ فالمنافسة لم تعد محصورة في تطوير النماذج وتحسين قدراتها، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بتوفير الكهرباء والمياه والأراضي، وكسب ثقة المجتمعات المحلية التي تستضيف البنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

وفي ظل غياب أدلة تثبت أن النشاط المنسوب إلى الصين غيّر مسار المعارضة الأمريكية، يبقى التحدي الأساسي أمام شركات التكنولوجيا وصناع القرار هو التعامل مع المخاوف الحقيقية للسكان، بدلا من اختزالها في فرضية التدخل الأجنبي.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى