مجلس الوزراء يحدث زلزالا أمنيا وتدويرا صحيا يعيدان رسم مراكز النفوذ في الدولة

في خطوة غير مسبوقة من حيث التوقيت والدلالات، فجّر مجلس الوزراء الموريتاني، مساء الأربعاء 28 يناير 2026، ما يمكن وصفه بـ«زلزال إداري وأمني»، بعدما أقرّ حزمة واسعة من الإقالات والتعيينات داخل قطاعين من أكثر القطاعات حساسية في الدولة: الأمن والصحة.
هذه القرارات لم تكن مجرد تغييرات روتينية في المناصب، بل حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة، وأعادت ترتيب موازين القوة داخل أجهزة الدولة، في سياق يبدو أنه يتجاوز منطق التدوير الإداري التقليدي إلى منطق إعادة ضبط النفوذ والولاءات.
إعادة تشكيل القيادة الأمنية
في قلب المشهد، جاء تعيين المفوض أحمد ولد ميمون مديراً عاماً مساعداً للأمن الوطني، والمفوض الحسن ولد صمبه مديراً لأمن الدولة، ليؤكد توجه السلطة نحو ضخ دماء جديدة في مفاصل القرار الأمني، وإعادة هندسة القيادة العليا للأجهزة الأمنية بما يضمن إحكام السيطرة على الملفات الحساسة.
أما القرار الأكثر إثارة للجدل، فتمثل في إقالة فضيلي ولد الناجي مع إعادة تعيينه في منصب آخر، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها «عقوبة إدارية مغلّفة»، تهدف إلى تقليص نفوذه الميداني وإبعاده عن مواقع التأثير المباشر، في ظل اتهامات بتجاوزات ذات طابع قبلي هزّت صورة المؤسسة الأمنية خلال الفترة الماضية.
ويكشف هذا القرار عن تحول لافت في تعامل الدولة مع الانحرافات داخل الأجهزة السيادية، حيث لم يعد الصمت أو التسويات الداخلية خياراً مفضلاً، بل باتت المعالجة العلنية والمدروسة أداة لإعادة الانضباط وترميم الهيبة المؤسسية.
تدوير صحي برسائل إصلاحية
وفي القطاع الصحي، لم تكن التعيينات أقل دلالة، إذ تم تعيين البروفيسور أحمد ولد أبا الولاتي مديراً للمستشفى الوطني، والدكتورة مريم منت المختار مديرة لمركز أمراض القلب، في إطار محاولة واضحة لإعادة الاعتبار للكفاءة المهنية في إدارة المؤسسات الصحية الكبرى.
ويأتي هذا التدوير في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية انتقادات متزايدة بسبب ضعف الأداء وتراجع جودة الخدمات، ما يجعل هذه التعيينات اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من منطق التعيين السياسي إلى منطق الإصلاح المؤسسي.
رسائل السلطة: الحزم قبل التوازنات
بعيداً عن التفاصيل التقنية للقرارات، فإن ما حدث في مجلس الوزراء يحمل رسالة سياسية واضحة: الدولة بصدد إعادة ترتيب بيتها الداخلي، ولو على حساب توازنات تقليدية ظلت تحكم توزيع النفوذ داخل الأجهزة الحساسة.
فما جرى ليس مجرد تغيير أسماء، بل هو إعلان غير مباشر عن مرحلة جديدة عنوانها: ضبط المؤسسة الأمنية، وإعادة الاعتبار للانضباط الإداري، ومحاولة ترميم الثقة في المؤسسات العمومية.
هل نحن أمام تحول استراتيجي؟
يبقى السؤال الأبرز: هل تمثل هذه القرارات بداية تحول استراتيجي في إدارة الدولة، أم أنها مجرد موجة مؤقتة سرعان ما تذوب أمام ضغط التوازنات الاجتماعية والسياسية؟
الإجابة ستتضح في الأسابيع المقبلة، حين يظهر ما إذا كانت هذه القرارات ستتبعها إصلاحات أعمق، أم أنها ستظل في حدود «الرسائل السياسية» التي سرعان ما يفقدها الواقع مفعولها.








