مجلس اللسان العربي بموريتانيا يكرم «فرسان الضاد» ويطرح مراجعة نظام «المعدل العام»

تنويه/ لأهمية الحدث العلمي :يعيد الموقع نشر فعاليات التكريم .
نظّم مجلس اللسان العربي بموريتانيا صباح السبت 28 ربيع الآخر 1448هـ/10 أكتوبر 2026م، حفلًا بهيجًا لتكريم «فرسان الضاد» للسنة الدراسية 2025-2026، في قاعة الندوات بمقر جهة نواكشوط، تحت رعاية وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي. وشمل التكريم التلاميذ الأوائل في مادة اللغة العربية في مسابقتي ختم الدروس الابتدائية والإعدادية وشهادة البكالوريا بمختلف الشعب، على المستوى الوطني، بمنحهم شهادات تقدير وجوائز مادية تشجيعية.
حضر الحفل الأمين العام للوزارة الأستاذ صدفي سيدي محمد، ورئيس مجلس اللسان العربي الشيخ الخليل النحوي، وعدد من المسؤولين في القطاع التربوي، وممثلة جهة نواكشوط، وأولياء أمور المكرمين وأساتذة مهتمون وأعضاء من ديوان المجلس. وافتُتح بتلاوة من الذكر الحكيم بصوت أحد التلاميذ المكرمين.
وفي كلمة الافتتاح، شكر الشيخ الخليل النحوي وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي على رعايتها الحفل وتوفير المعلومات، كما شكر المعهد التربوي الوطني وجهة نواكشوط والمجلس الأعلى للتهذيب على إسهامهم في التنظيم، وهنأ فرسان الضاد وأولياء أمورهم ومدارسهم ومدرسيهم والطواقم التربوية والإدارية.
وطرح رئيس المجلس سؤالًا جوهريًا حول نظام «المعدل العام» السائد، معتبرًا أنه قد يقصي تلميذًا متفوقًا بسبب مادة أو مادتين، متسائلًا: «لماذا نحبط عمل الطفل ونتجاهل نجاحه في مادة ما لأنه فشل في غيرها؟». وضرب أمثلة رمزية بالخليل بن أحمد وسيبويه وورش وقالون والإمام نافع، قائلًا إن تطبيق منطق المعدل العام على هؤلاء كان سيقف حائلًا أمام تفوقهم في اختصاصاتهم. ودعا إلى تصويب النظر نحو نجاح الطفل والبنت فيما نجحا فيه، وفتح طريق الأمل أمامهما، مؤكدًا أن التألق في أي مادة دراسية يستحق العناية والتقدير، «أحرى إذا كانت المادة لغتنا»، لغة الوحيين وعنوان الهوية ومستودع التراث.
وأوضح النحوي أن المجلس استنطق عينة من الأوائل وفرتها الوزارة، تضم نحو 110 متفوقين في اللغة العربية في ختام المرحلة الابتدائية، ونحو 44 في شهادتي الإعدادية والبكالوريا، مع التحفظ على محدودية العينة، مقدمًا خلاصات جزئية: مثلت البنات 44% من المتفوقين في العبور إلى الإعدادية، وحصلت خمس منهن على العلامة الكاملة؛ وتصدرت ولاية نواكشوط الغربية القائمة بـ17 متفوقًا، تلتها غيديماغا بـ10، فيما برزت مدرسة في باماكو بخمسة تلاميذ ضمن المتفوقين. وفي شهادة ختم الإعدادية تصدرت فتاتان الأوائل، إحداهما في الشعبة الموحدة بعلامة كاملة والأخرى في شعبة اللغات. وفي البكالوريا، حصلت شعبة الآداب الأصلية على خمسة متفوقين من أصل 34 في الشعب كلها، وشاركتها العدد نفسه شعبة الآداب/اللغات وشعبة الرياضيات والهندسة الميكانيكية. ولوحظ أن أعلى متوسط في اللغة العربية في البكالوريا كان من نصيب شعبتي الرياضيات والعلوم، وأن أغلبيتهم حصلوا على معدل عام بين 13 و17.11، دون أن ينزل أحدهم عن 10/20.
ودعا النحوي المجلس الأعلى للتهذيب والوزارة وأولي الاختصاص إلى استنطاق النتائج في نطاق كمي أوسع وزمني أطول، للوصول إلى خلاصات علمية دقيقة تنير سبل الإصلاح. وبخصوص التكريم، قال إنه «ليس لكم وإنما هو لأنفسنا»، لأنه يقر أعين المسؤولين بصورة متألقة من الجيل الصاعد، مشيرًا إلى أن الهدايا المعرفية، ومنها بطاقة الولوج إلى المعجم التاريخي للغة العربية الصادر في 127 مجلدًا برعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، تظل «سلعة خف حملها وغلا ثمنها».
من جهته، أعرب الأمين العام لوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي الأستاذ صدفي سيدي محمد عن سعادته بالحفل، معتبرًا أنه احتفاء باللغة العربية وبأبنائها المتفوقين، وتجديد للتأكيد على أن «التفوق لا ينبغي أن يمر عابرًا، وأن الاجتهاد حين يبلغ غايته يستحق أن يُرى ويُحتفى به ويُجعل قدوة للأجيال». وقال إن العربية «ليست لغة قصيدة تُنشد، ولا خطبة تُلقى، ولا تراثًا يُصان في الرفوف؛ إنها لغة صنعت مجدًا علميًا امتد أثره من المشرق إلى المغرب، وأضاءت مصابيحها دروب المعرفة». ودعا المتفوقين إلى أن يجعلوا من تكريمهم بداية لمسؤولية جديدة، وأن يكونوا «متعلمين نهمين وباحثين عن المعرفة، معتزين بلغتهم وهويتهم، منفتحين على لغات العالم وعلومه»، مؤكدًا أن العربية «لا تحتاج إلى من يكتفي بالاحتفاء بها، وإنما إلى من يبدع بها ويقرأ بها ويكتب بها ويجعلها لغة حية للعلم والفكر والإبداع».
وكانت التلميذة زينب ممدو با، إحدى فارسات الضاد المكرمات، قد ألقت كلمة باسم المكرمين، عبرت فيها عن امتنانهم لمجلس اللسان العربي على مبادرته التي تشحذ الهمم وتحفز على مزيد من التفوق والتعلق بلغة الضاد. ثم جرى تسليم شهادات التقدير والجوائز للمكرمين بمعية أولياء أمورهم، قبل أن يتابع الحضور درسًا نموذجيًا افتتاحيًا قدمه الدكتور إبراهيم بن محمد بن الشيخ سيديا، ركز فيه على أحكام كتابة الهمزة المتوسطة، مستفيدًا من تجربته الشخصية في التأكيد على أهمية إتقان العربية وأساليبها البيانية.
واختُتم الحفل برسالة واضحة: أن تكريم المتفوقين في اللغة العربية هو تكريم للعلم والمدرسة والمعلم وقيمة الاجتهاد، وأن العربية، التي كانت لغة حضارة وعلم، تظل في حاجة إلى أجيال تحملها بالإبداع والبحث والقراءة والكتابة، لا بالاحتفاء العابر وحده.









