كوركل بعد زيارة الرئيس: اختبار الإرادة بين القرار المركزي وفعالية التنفيذ

كوركل بعد زيارة الرئيس: اختبار الإرادة بين القرار المركزي وفعالية التنفيذ
لم تكن الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية كوركل مجرد محطة بروتوكولية ضمن أجندة التحركات الرئاسية، بل حملت أبعادًا سياسية وتنموية عميقة، أعادت وضع الولاية في صدارة النقاش حول فعالية السياسات العمومية وقدرة الإدارة المحلية على تحويل التوجيهات العليا إلى نتائج ملموسة.
الزيارة جاءت في سياق تركيز متصاعد على تنمية الداخل، خصوصًا الولايات الزراعية ذات الكثافة السكانية، حيث تم إطلاق مشاريع خدمية جديدة وتعزيز التزامات قائمة في مجالات الماء والكهرباء والتعليم والصحة، إلى جانب دعم الزراعة والتنمية الحيوانية باعتبارهما العمود الفقري للاقتصاد المحلي في كوركل.
دفع سياسي واضح نحو التنمية الميدانية
أبرز ما ميّز الزيارة هو الطابع العملي الذي طغى عليها، من خلال معاينات ميدانية ولقاءات مباشرة مع المواطنين، في مقاربة تُفضّل التشخيص الواقعي على الاكتفاء بالتقارير الإدارية. هذا التحول يعكس توجهاً يرمي إلى ربط القرار المركزي بآليات متابعة ميدانية، بما يعزز منسوب الرقابة على التنفيذ.
سياسياً، تمثل هذه الخطوة رسالة مزدوجة: دعم صريح للمشاريع التنموية في الولاية، وتنبيه ضمني إلى أن مرحلة الإعلان قد انتهت، وأن معيار المرحلة المقبلة هو الإنجاز الفعلي ضمن آجال محددة وجودة قابلة للقياس.
فجوة التنفيذ… الإشكال المزمن
ورغم الزخم الذي رافق الزيارة، برز في خلفيتها نقاش متجدد حول بطء تنفيذ بعض البرامج وتعثر خدمات أساسية، وهو ما يعيد طرح سؤال الحوكمة المحلية. فالتحدي لم يعد مرتبطًا بندرة التمويل أو غياب الخطط، بل بمدى كفاءة الحلقة التنفيذية في ترجمة الالتزامات إلى واقع.
ويرى متابعون أن مكامن الخلل تتلخص في ثلاثة مستويات رئيسية:
ضعف آليات المتابعة بعد إطلاق المشاريع
محدودية المبادرة لدى بعض المسؤولين المحليين
غياب نظام صارم لربط الأداء بالمساءلة
هذه المعطيات تجعل من الزيارة اختبارًا عمليًا للإدارة الجهوية، التي تقع عليها مسؤولية تحويل الإرادة السياسية إلى أثر تنموي محسوس.
من الإعلان إلى المحاسبة
التجربة التنموية في موريتانيا أظهرت أن أكبر التحديات لا تكمن دائمًا في صياغة السياسات، بل في ضمان التنفيذ المستدام لها. وهنا يبرز دور الولاة والمنتخبين والمديرين الجهويين باعتبارهم حلقة الوصل بين القرار المركزي واحتياجات السكان.
الرسالة التي حملتها الزيارة بدت واضحة: الإرادة السياسية متوفرة في قمة هرم الدولة، لكن نجاحها رهين بفعالية الإدارة على مستوى التنفيذ. فالمسؤولية لم تعد جماعية ومجردة، بل أصبحت فردية ومباشرة، تخضع لمعيار الإنجاز لا لمجرد الالتزام الشكلي.
كوركل أمام لحظة مفصلية
اليوم، تقف كوركل أمام فرصة لتكون نموذجًا في تحويل الزيارات الرئاسية من رمزية سياسية إلى ديناميكية إدارية جديدة، تعزز ثقافة النتائج وتحدّ من مظاهر البطء والروتين.
المرحلة المقبلة ستكون كاشفة: إما أن تتحول التعهدات إلى مشاريع مكتملة بخدمات محسّنة وأثر اقتصادي واجتماعي واضح، أو تبقى في دائرة الوعود التي تتآكل بفعل ضعف المتابعة.
في المحصلة، لن يُقاس نجاح الزيارة بما قيل خلالها، بل بما سيتحقق بعدها. فحين تُعلن الدولة أن تنمية الداخل أولوية استراتيجية، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة أدواتها التنفيذية على مواكبة هذا الخيار وتحويله إلى واقع يشعر به المواطن في حياته اليومية.









