قوى الإنقاذ: 7413 مليار أوقية أُنفقت خلال 7 سنوات.. أين ذهبت أموال الموريتانيين؟

وضع تحالف قوى الإنقاذ المعارض ملف الإنفاق العام في موريتانيا تحت المجهر، مستعرضًا حصيلة مالية قال إنها تكشف عن قفزة غير مسبوقة في حجم الأموال التي أنفقتها الدولة خلال السنوات السبع الأخيرة، مقارنة بما أُنفق على امتداد العقود الستة الأولى من الاستقلال.
وخلال مؤتمر صحفي عقده السبت، قدم التحالف أرقامًا استند فيها إلى مراجعة قوانين الميزانيات الأصلية للدولة منذ عام 1960 وحتى 2026، مقدرًا إجمالي الإنفاق العام خلال هذه الفترة بنحو 13 ألفًا و576 مليار أوقية، منها 7413 مليار أوقية خلال السنوات السبع الأخيرة، مقابل 6163 مليار أوقية خلال الستين سنة الأولى من الاستقلال.
ويرى التحالف أن هذه الأرقام تطرح تساؤلات جوهرية بشأن العلاقة بين حجم الإنفاق الحكومي والنتائج التنموية المتحققة على أرض الواقع، ومدى انعكاس الأموال المصروفة على حياة المواطنين والخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وقال رئيس التحالف، النائب البرلماني محمد الأمين سيدي مولود، إن الإنفاق خلال السنوات السبع الأخيرة تجاوز ما أُنفق خلال ستة عقود، دون أن يقابله، بحسب تقييمه، مستوى مماثل من الإنجازات والمشاريع التنموية.
وأضاف أن تراكم الإنفاق والديون يفرض مساءلة جدية حول مردودية الموارد العامة، معتبرًا أن حصيلة الإنفاق لا تتناسب مع ما تحقق من إنجازات. وتساءل عما إذا كان حجم الأموال المصروفة خلال الفترة الحالية يعكس حجم الإنجازات، مجيبًا بالنفي.
ولم تقتصر انتقادات ولد سيدي مولود على الجانب المالي، بل امتدت إلى ما وصفه بتراجع الحياة السياسية وإضعاف المؤسسات الدستورية، متهمًا السلطات بقمع المعارضين واستهداف النواب والفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين، إلى جانب التأثير على استقلالية القضاء وتفريغ العمل البرلماني من مضمونه.
كما اتهم النظام بتهيئة الظروف لظهور طبقة ثرية راكمت ممتلكات خارج البلاد، معتبرًا أن ما وصفه بالفساد خلال السنوات السبع الأخيرة يمثل، في تقديره، تراجعًا خطيرًا على المستويين المالي والمؤسسي.
قراءة تاريخية للإنفاق العام
من جانبه، قدم الرئيس السابق للتحالف، النائب البرلماني محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل، عرضًا تاريخيًا لتطور الإنفاق العام في موريتانيا، قال إنه يستند إلى مراجعة 67 قانونًا أصليًا لميزانيات الدولة، تغطي الفترة من 1960 إلى 2026.
وأوضح أن هذه المراجعة شملت مراحل حكم مختلفة، تفاوتت خلالها الموارد المتاحة للدولة والظروف السياسية والاقتصادية التي واجهتها.
وأشار إلى أن فترة حكم الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، الممتدة على مدى 18 عامًا، شهدت إنفاق نحو 102 مليار أوقية، فيما بلغ الإنفاق خلال الفترة من 1978 إلى 1984 نحو 65 مليار أوقية، وهي مرحلة قال إنها شهدت إنشاء سدود وتدخلات اجتماعية لمواجهة آثار الجفاف.
أما خلال حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، من 1984 إلى 2005، فقد بلغ الإنفاق، وفق الأرقام التي عرضها، نحو 1004 مليارات أوقية، بالتزامن مع إنجاز طرق ومنشآت مائية، رغم ما وصفه بالفساد الذي طبع تلك المرحلة.
وأضاف أن الإنفاق خلال فترتي الرئيسين الراحلين اعل ولد محمد فال وسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بلغ نحو 636 مليار أوقية، بينما وصلت النفقات خلال نحو 11 عامًا من حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى 4356 مليار أوقية.
وفي المقابل، قال ولد الشيخ محمد فاضل إن الإنفاق خلال السنوات السبع الأخيرة بلغ 7413 مليار أوقية، معتبرًا أن هذا الرقم يستدعي مقارنة دقيقة بين حجم الموارد التي استهلكتها الميزانيات العامة والنتائج التي تحققت في مختلف القطاعات.
من الأرقام إلى سؤال الحصيلة
واعتبر ولد الشيخ محمد فاضل أن الأموال العامة تمثل في نهاية المطاف موارد جُمعت من المواطنين، مستحضرًا التحولات التي عرفتها مصادر الضرائب، من الجباية المرتبطة بالماشية في المراحل الأولى من بناء الدولة إلى الاعتماد المتزايد على الضرائب المفروضة على الرواتب ومداخيل أخرى.
ويعيد عرض تحالف قوى الإنقاذ النقاش بشأن الإنفاق العام إلى سؤال يتجاوز مجرد مقارنة الميزانيات عبر الزمن: ما الذي تغير في حياة الموريتانيين مقابل هذه المليارات؟
فحجم الإنفاق، مهما بلغ، لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسات الحكومية أو إخفاقها؛ إذ تظل الإجابة مرتبطة بمردودية الأموال العامة، وجودة المشاريع المنفذة، واستدامة البنية التحتية، وتحسن التعليم والصحة والخدمات الأساسية، فضلًا عن مستوى الشفافية والرقابة على المال العام.
وبينما يقدم التحالف أرقامه باعتبارها أساسًا لانتقاد أداء السلطات الحالية، تظل المقارنة الاقتصادية الدقيقة بحاجة إلى مراعاة اختلاف القيمة النقدية للأوقية عبر العقود، ومستويات التضخم، وتطور عدد السكان، وتغير حجم الاقتصاد ومصادر الإيرادات، إلى جانب التمييز بين الإنفاق الاسمي والإنفاق الحقيقي.
وعليه، فإن جوهر النقاش الذي أثارته هذه الأرقام لا يتعلق فقط بمن أنفق أكثر، بل بمدى قدرة الإنفاق العام على تحويل موارد الدولة إلى تنمية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.









