قفزة حادة في أسعار الغاز والنفط مع تصاعد الحرب وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز

سجلت أسعار الغاز في أوروبا ارتفاعاً حاداً تجاوز 30% اليوم الثلاثاء، في ظل مخاوف متزايدة من نقص الإمدادات العالمية بعد تعطل الملاحة في مضيق هرمز وإعلان قطر وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب هجمات عسكرية استهدفت منشآت الإنتاج.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية أن سعر عقد الغاز الهولندي المرجعي «تي تي إف» ارتفع بنحو 33% خلال تعاملات الثلاثاء، بعد أن كان قد قفز بنحو 40% خلال جلسة الاثنين.
كما ارتفعت الأسعار القياسية للغاز الطبيعي المسال في آسيا بما يقارب 40% أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة رويترز، بينما يتم تداول الغاز الطبيعي في بورصة أمستردام عند نحو 54 يورو (58 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة.
وفي سوق النفط، صعد سعر خام برنت بأكثر من 7% ليصل إلى ما يزيد على 82 دولاراً للبرميل في معاملات الثلاثاء.
وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع مؤشرات البورصات الأوروبية، حيث انخفض مؤشر «داكس» في فرانكفورت بنسبة 2%، وتراجع مؤشر «كاك 40» في باريس بنسبة 1.8%، كما خسر مؤشر «فايننشال تايمز» البريطاني نحو 1.4% من قيمته.
مخاوف من أزمة طاقة عالمية
وأوضحت صحيفة فايننشال تايمز أن احتمال تراجع إمدادات الغاز من الخليج قد يسبب أزمة طاقة أكبر من تلك التي شهدتها الأسواق العالمية عام 2022 بعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، عندما أوقفت موسكو نحو 80 مليار متر مكعب من الغاز الذي كانت تضخه سنوياً إلى أوروبا.
وتعتمد أوروبا على نحو 120 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي القادم من منطقة الخليج سنوياً، ما يعني أن أي نقص في هذه الإمدادات قد يؤدي إلى أزمة أوسع نطاقاً من أزمة عام 2022.
وتنتج قطر حوالي 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال، فيما تحصل أوروبا على نحو 10% من احتياجاتها من الغاز المسال من الدوحة، بينما يتم تصدير جزء كبير من الغاز القطري إلى الصين والهند.
ولا يقتصر تأثير توقف الإمدادات الخليجية على أوروبا وآسيا فحسب، إذ يؤدي انخفاض المعروض العالمي إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، وهو ما بدأ يظهر بوضوح خلال جلسات التداول الأخيرة مع اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
تعطل التجارة وسلاسل التوريد
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي هاشم عقل إن تداعيات الحرب على إيران لم تقتصر على تعطيل حركة التجارة العالمية فحسب، بل امتدت لتشمل ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط والغاز.
وأوضح أن شركات شحن كبرى علّقت مرور سفنها عبر مضيق هرمز، ما سيجبرها على الالتفاف حول القارة الأفريقية، الأمر الذي يطيل مدة الرحلات ويرفع تكاليف النقل بشكل ملحوظ.
وأشار إلى أن هذه التطورات تهدد قطاعات صناعية حيوية، من بينها صناعة الأسمدة التي يمر نحو 33% من تجارتها العالمية عبر مضيق هرمز، إضافة إلى صناعة البلاستيك التي تمثل نحو 15% من الإنتاج العالمي، وهو ما قد يؤدي إلى تأخر وصول السلع إلى الأسواق وارتفاع أسعارها عالمياً.
وأضاف عقل أن حالة من “النفور من المخاطرة” بدأت تسيطر على الأسواق المالية، حيث تراجعت مؤشرات البورصات في آسيا وأوروبا، في حين ارتفع الدولار الأمريكي والفرنك السويسري باعتبارهما من الملاذات الآمنة للمستثمرين.
كما لفت إلى أن هذه الاضطرابات قد تدفع بنوكاً مركزية، مثل بنك اليابان، إلى مراجعة خططها بشأن رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يغير أيضاً حسابات المستثمرين بشأن مسار الاقتصاد العالمي.
تحذيرات آسيوية من ارتفاع تكاليف الطاقة
ومع توقف جزء من إمدادات الخليج، بدأت دول آسيوية تحذر من تداعيات الأزمة على اقتصاداتها. ففي ماليزيا حذر وزير الاقتصاد أكمل نصر الله محمد ناصر من احتمال ارتفاع تكاليف الطاقة، مشيراً إلى أن الوضع الراهن يخلق حالة من عدم اليقين لقطاعي الأعمال والطاقة في البلاد، خاصة فيما يتعلق بأسعار الوقود وتسعير الكهرباء وأمن الطاقة.
وأوضح الوزير أن المكاسب التي قد تحققها شركة النفط الوطنية الماليزية «بتروناس» قد تتآكل بسبب ارتفاع تكلفة استيراد المشتقات النفطية المكررة.
وفي إندونيسيا، أعلن وزير الطاقة أن بلاده ستتجه إلى استيراد النفط الخام من الولايات المتحدة بدلاً من الشرق الأوسط في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، مؤكداً أن الحكومة ستراقب تأثير ارتفاع أسعار النفط على نفقات دعم الوقود.
أما في الهند، فقد أفادت مصادر في قطاع الغاز الطبيعي بأن شركات هندية خفّضت إمدادات الغاز للصناعات تحسباً لتراجع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط بعد توقف الإنتاج القطري.
وتعد الهند رابع أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث تحصل على نحو ثلثي وارداتها من قطر والإمارات وسلطنة عمان.
كما ارتفعت حصة النفط القادم من الشرق الأوسط في واردات الهند من الخام إلى أعلى مستوى لها منذ أواخر عام 2022، لتصل إلى نحو 55% من إجمالي الواردات في يناير الماضي، أي ما يعادل حوالي 2.74 مليون برميل يومياً، بعد أن خفضت المصافي الهندية مشترياتها من النفط الروسي.
وتبقى الصين أيضاً في قلب هذه المعادلة، فهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويأتي نحو ثلث وارداتها من الشرق الأوسط، كما تعد أكبر مستورد للنفط الخام وأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، حيث يأتي ما يقرب من نصف وارداتها النفطية من دول المنطقة.









