ثقافة

قراءة في المشروع التوجيهي للنظام التربوي الوطني


يأتي مشروع القانون التوجيهي للنظام التربوي الوطني بوصفه أحد أكثر النصوص التشريعية طموحًا واتساعًا في تاريخ الإصلاحات التعليمية، إذ يسعى إلى إعادة بناء المدرسة الموريتانية على أسس قانونية وبيداغوجية جديدة، تستجيب لمتطلبات الإنصاف، وجودة التعلم، والتعدد اللغوي، والانسجام الاجتماعي. غير أن أهمية النص لا تكمن فقط في مضامينه المعلنة، بل في مدى اتساقه القانوني، وقابليته التربوية للتنفيذ، وما يثيره من إشكالات موضوعية.
أولًا: القراءة القانونية للنص
من الناحية القانونية، يُصنَّف المشروع ضمن القوانين التوجيهية التي ترسم الإطار العام للسياسات العمومية دون الخوض في التفاصيل الإجرائية. وهو بذلك يتمتع بقوة مرجعية عالية، لكنه يظل رهينًا بنصوص تنظيمية لاحقة تُحدّد آليات التطبيق وحدوده الزمنية والمجالية.
يُسجَّل للنص انسجامه الظاهر مع الدستور، إذ يحافظ على الوضع القانوني للغة العربية كلغة رسمية للدولة، ويؤكد في الوقت ذاته الاعتراف الدستوري باللغات الوطنية. غير أن توسيع مجال استعمال هذه اللغات ليشمل التدريس، وإن كان مشروعًا دستوريًا، يفتح نقاشًا قانونيًا حول حدود الإلزام، ومدى تساوي المواطنين أمام خدمة عمومية واحدة قد تختلف لغتها من منطقة إلى أخرى.
كما يؤسس المشروع لمبدأ عدم التمييز اللغوي في الولوج إلى التعليم، وهو مبدأ يتماشى مع الاتفاقيات الدولية، لكنه يثير إشكالًا قانونيًا دقيقًا يتعلق بالمساواة في المخرجات التعليمية، لا فقط في وسائل التدريس، خاصة في غياب ضمانات صريحة لتوحيد المعايير والتقويم.
ثانيًا: المقاربة التربوية المعتمدة
تربويًا، يتبنى القانون رؤية حديثة تستند إلى نتائج البحث العلمي في التربية، خاصة فيما يتعلق بالتدريس باللغة الأم في المراحل الأولى. فالطفل، وفق هذه المقاربة، يكتسب المفاهيم الأساسية بكفاءة أعلى حين يتعلم بلغة محيطه الأسري، وهو ما قد يسهم في تقليص نسب الرسوب والتسرب المدرسي.
غير أن هذا الاختيار التربوي، رغم وجاهته النظرية، يظل عالي الكلفة على مستوى التنفيذ، إذ يتطلب إعداد مناهج متعددة اللغات، وتأليف كتب مدرسية متكافئة في المحتوى، وتكوين معلمين مزدوجي الكفاءة، وهو ما لم يحدده النص بزمن ولا بموارد مضمونة.
ويحسب للمشروع أنه لم يتبنَّ نموذجًا إحلاليًا للغات الوطنية محل العربية، بل اعتمد مقاربة انتقالية تجعل من اللغة الأم وسيلة تربوية مؤقتة، مع تعزيز تعليم العربية باعتبارها لغة جامعة ولغة تدريس مركزية في مختلف المراحل. غير أن هذا التوازن الدقيق قد يختل في الواقع العملي إذا لم تُضبط حدود الاستعمال بدقة تنظيمية.
ثالثًا: نقاط القوة في المشروع
تكمن أبرز نقاط قوة القانون في:
اعتماده رؤية شمولية تربط التعليم بالهوية الوطنية والتنمية؛
إقراره الإجباريّة والمجانية، وتعزيزه مبدأ الإنصاف؛
معالجته الجريئة لمعضلة الفشل المدرسي عبر خيار اللغة الأم؛
تأكيده على تحسين تكوين المدرسين وجودة المناهج؛
تنظيمه للتعليم الخاص والتعليم الأصلي ضمن إطار موحد.
كما يتميز النص بمرونته القانونية، إذ يتيح للدولة هامشًا واسعًا للتدرج في التطبيق، وتكييف السياسات حسب الإمكانات.
رابعًا: مكامن الضعف والمخاطر المحتملة
في المقابل، لا يخلو المشروع من نقاط ضعف بنيوية، من أبرزها:
الغموض النسبي في النصوص المتعلقة بالسياسة اللغوية، وتركها لتقدير المراسيم؛
غياب تقدير مالي واضح لتكلفة الإصلاح؛
ضعف الإشارات إلى آليات التقويم والمساءلة؛
قابلية الملف اللغوي للتسييس أو التوظيف الهوياتي؛
خطر تفاوت جودة التعليم بين المناطق بسبب اختلاف لغة التدريس.
كما أن رهان المشروع على قدرة الإدارة التربوية على التنسيق والتنفيذ قد يبدو متفائلًا في ظل الاختلالات البنيوية القائمة.
خامسًا: خلاصة تقييمية
في المحصلة، يُعد مشروع القانون التوجيهي إطارًا قانونيًا متقدمًا، يعكس إرادة إصلاح حقيقية، لكنه يظل نصًا عالي الحساسية، يتطلب إدارة دقيقة وحكامة صارمة. فنجاحه لا يتوقف على سلامة اختياراته النظرية، بل على قدرة الدولة على تحويل المبادئ إلى سياسات متماسكة، ممولة، ومتدرجة، مع إشراك المجتمع في فهم رهاناتها.
وبين الطموح التربوي والاحتراز القانوني، يقف المشروع عند مفترق طرق: إما أن يشكل نقطة تحول تاريخية في مسار المدرسة الوطنية، أو أن يتحول إلى نص متقدم سابق لأوانه إذا لم تُحسن شروط تنزيله.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى