في مشروعية التعيين وحدود السلطة التقديرية للإدارة: قراءة قانونية وفقهية في الانتقائية النقابية

ردّ قانوني موجّه لحقوقيين ونقابيين – إلى الأخ خالد الحسن
إن النقاش المثار حول التعيينات الأخيرة في قطاع التربية لا يمكن أن يُدار خارج الإطار الدستوري والتشريعي والفقهي الذي يحكم الوظيفة العمومية، وإلا تحوّل من مساءلة قانونية مشروعة إلى خطاب انتقائي يُفرغ مبدأ الإصلاح من محتواه.
أولًا: الإطار الدستوري ومبدأ المساواة
كرّس الدستور الموريتاني لسنة 1991 (كما عُدِّل) مبدأ المساواة وعدم التمييز، ولا سيما:
المادة 1 (وحدة الشعب والمساواة بين المواطنين)،
المادة 10 (ضمان الدولة للمساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز).
ويُعدّ الولوج إلى الوظائف العمومية، وتقلد المسؤوليات داخل المرافق العامة، أحد التطبيقات المباشرة لهذا المبدأ، ولا يجوز تقييده إلا بنصٍّ صريح ولمبررات موضوعية تتصل بالكفاءة والاستحقاق.
ثانيًا: الإطار التشريعي للوظيفة العمومية
ينظم القانون رقم 93-09 الصادر بتاريخ 18 يناير 1993، المتضمن النظام الأساسي للموظفين ووكلاء الدولة شروط التعيين والترقية، ويرتكز على:
الأقدمية،
المؤهلات العلمية والمهنية،
الحاجة الإدارية،
والتدرج الوظيفي.
ولا يتضمن هذا القانون، ولا نصوصه التطبيقية، أي مقتضى يجعل القرابة الاجتماعية أو العائلية سببًا مانعًا من التعيين، أو يعتبر الانتماء الاجتماعي قرينة على عدم المشروعية.
ثالثًا: السلطة التقديرية للإدارة في الفقه الإداري
يُقرّ الفقه الإداري، استنادًا إلى المدرسة الفرنسية التي تُعدّ مرجعًا للأنظمة الإدارية المغاربية، بأن الإدارة تتمتع بـسلطة تقديرية في مجال التعيين، خاصة في المناصب العليا، شريطة:
احترام النصوص،
تحقيق المصلحة العامة،
وعدم الانحراف بالسلطة.
وقد استقر الفقه (Hauriou – Duguit – Rivero) على أن مجرد وجود صلة قرابة لا يُعدّ في ذاته دليلًا على إساءة استعمال السلطة، ما لم يُثبت أن القرار اتُّخذ لغاية غير تلك التي خُوِّلت من أجلها السلطة.
رابعًا: نظرية الانحراف بالسلطة (Détournement de pouvoir)
تُعدّ نظرية الانحراف بالسلطة من أخطر أوجه عدم المشروعية في القانون الإداري، وتتحقق عندما:
تستعمل الإدارة سلطتها التقديرية،
لتحقيق غرض شخصي أو سياسي أو اجتماعي،
مخالف للغاية التي حدّدها القانون.
غير أن الفقه والقضاء الإداريين مستقرّان على أن:
الانحراف بالسلطة لا يُفترض،
بل يُثبت بدليل قاطع،
ويقع عبء إثباته على الطاعن في القرار.
وعليه، فإن الادعاء بعدم مشروعية التعيينات لمجرد اجتماع صلة اجتماعية، دون إثبات إقصاء أكفاء أو خرق صريح للنصوص، لا ينهض قانونًا لتوصيف القرار بأنه مشوب بانحراف بالسلطة.
خامسًا: مبدأ المساواة في المرافق العامة
يُعدّ مبدأ المساواة في المرافق العامة من المبادئ العامة للقانون الإداري، ويقضي بـ:
معاملة المتماثلين في المراكز القانونية معاملة واحدة،
وعدم التمييز بينهم إلا على أساس موضوعي ومشروع.
غير أن هذا المبدأ لا يعني:
حظر كل تمييز،
ولا تجميد السلطة التقديرية للإدارة، بل يمنع فقط التمييز التعسفي أو غير المبرَّر قانونًا.
ومن ثمّ، فإن إقصاء موظفين مستوفين للشروط القانونية، فقط لانتمائهم الاجتماعي، يُشكّل في حدّ ذاته خرقًا لمبدأ المساواة، ويمثل تمييزًا سلبيًا لا يقل خطورة عن المحاباة التي يُدّعى محاربتها.
سادسًا: في التطبيق العملي محل الجدل
في الحالة المعروضة:
المعنيون بالتعيين موظفون عموميون،
مستوفون للشروط القانونية،
يتمتع أحدثهم بأقدمية تفوق 25 سنة في قطاع التعليم،
ويحوزون كفاءة مهنية وإدارية مشهودة.
وعليه، فإن تعيينهم يندرج ضمن السلطة التقديرية المشروعة للوزيرة، ولا يُشكّل، من حيث المبدأ، خرقًا للقانون أو للمبادئ العامة.
في المقابل، فإن توقيع ما يقارب 120 مذكرة ترقية في الأيام الأخيرة من المأمورية السابقة يُشكّل خرقًا واضحًا لمبدأ المشروعية، إذ إن الترقية لا تُنشأ إلا بموجب مقرر إداري، لا بمذكرة تسييرية، وفقًا لـ:
المرسوم رقم 2007-048 المتعلق بتسيير المسار المهني للموظفين،
والمنشورات الوزارية المنظمة للترقيات والتقدمات.
وقد ألغت الوزيرة الحالية تلك المذكرات تصحيحًا للوضع القانوني، دون أن يواكب ذلك أي موقف نقابي ناقد في حينه، ما يطرح إشكال توحيد المعايير في الخطاب الاحتجاجي.
سابعًا: الخلاصة الفقهية والقانونية
إن السؤال القانوني الصحيح ليس: من ينتمي إلى من؟
بل: هل احترمت النصوص؟ وهل ثبت انحراف بالسلطة؟ وهل أُخلّ بمبدأ المساواة؟
أما تحويل الانتماء الاجتماعي إلى قرينة إدانة، فإنه يُعدّ:
خروجًا عن منطق الدولة القانونية،
وتناقضًا مع مبادئ المساواة،
وتوظيفًا انتقائيًا للخطاب النقابي.
فالإصلاح الإداري لا يتحقق بتجريم الأصول، بل بتطبيق القانون تطبيقًا موحدًا، ومساءلة كل الخروقات بذات الميزان، دون انتقائية أو توظيف رمزي.
حمادي سيدي محمد آباتي





