صحة

عندما يهاجم جهاز المناعة الدماغ: قصة التهاب الدماغ المناعي الذاتي

تخيل أن يبدأ عقلك فجأة في التراجع عنك، فتتلاشى ذكريات حياتك الشخصية بينما تظل قادرًا على استرجاع معلومات عامة بلا أي معنى عاطفي. هذا ما واجهه كريستي موريل (72 عامًا) عندما هاجم جهازه المناعي دماغه في حالة تُعرف طبيًا باسم التهاب الدماغ المناعي الذاتي.

يُعد هذا المرض النادر اضطرابًا خطيرًا يتحول فيه جهاز المناعة، المفترض أن يحمي الجسم، إلى مهاجم لخلايا الدماغ، ما يؤدي إلى فقدان الذاكرة، واضطرابات سلوكية، وهلوسات، وأحيانًا نوبات صرع. ورغم أن أعراضه قد تُشبه في بدايتها اضطرابات نفسية، فإن التشخيص المبكر والعلاج المناعي المناسب يمكن أن يُحدثا فارقًا جذريًا في مسار الحالة.

من خلال تجربة موريل وقصص مرضى آخرين، تتكشف رحلة معقدة تبدأ بصدمة فقدان الذكريات الشخصية، مرورًا باضطراب الإدراك والأوهام، وصولًا إلى استعادة قدر من الاستقرار وبناء ذكريات جديدة.

بداية غير متوقعة

ظهرت الأعراض الأولى أثناء جولة عادية بالدراجة على ساحل كاليفورنيا. لم يلحظ موريل أي أمر غير طبيعي، لكنه فوجئ لاحقًا بعدم قدرته على تذكر الرحلة عندما سألته زوجته عنها. ومع مرور الوقت، تفاقمت حالته، وبدأت الفجوات في ذاكرته تتسع، وتسللت الأوهام إلى وعيه.

ما هو التهاب الدماغ المناعي الذاتي؟

يحدث المرض عندما يهاجم الجهاز المناعي خلايا الدماغ بدلًا من حمايتها. وقد يصيب أشخاصًا أصحاء بصورة مفاجئة، وتتضمن أعراضه الشائعة:

  • ارتباك شديد واضطراب في الوعي
  • فقدان الذاكرة
  • نوبات صرع
  • ذهان أو هلوسات

ويشير الدكتور سام هورنغ، طبيب الأعصاب في نظام ماونت سيناي الصحي، إلى أن الاكتشافات الحديثة المتعلقة بالأجسام المضادة سهلت عملية التشخيص عبر تحاليل الدم والسائل النخاعي، ما عزز فرص التدخل المبكر.

تحديات التشخيص وفرص العلاج

غالبًا ما يُساء تفسير الأعراض على أنها اضطراب نفسي، وهو ما قد يؤخر بدء العلاج. إلا أن العلاجات المناعية المتاحة — مثل الأدوية المضادة للالتهاب والعلاجات التي تستهدف الأجسام المضادة — أثبتت فعاليتها في كثير من الحالات، كما تتواصل التجارب السريرية لتطوير علاجات أكثر دقة.

بعد التشخيص المبكر، تمكن موريل من استعادة قدرته على ممارسة أنشطته اليومية، لكنه فقد عقودًا من ذكرياته الشخصية، بما في ذلك أحداث محورية مثل زفاف ابنه أو سنوات دراسته. في المقابل، ظل قادرًا على تذكر معلومات عامة؛ فعلى سبيل المثال، لا يزال يتذكر أن رواية يوليسيس نُشرت في باريس عام 1922 على يد سيلفيا بيتش، رغم عجزه عن استرجاع لحظات عائلية مفصلية.

ورغم هذا الفقدان، استطاع موريل تكوين ذكريات جديدة مع أحفاده، واستأنف نشاطاته الخارجية، بل وأسس مجموعة دعم للمرضى، مستخدمًا شعر الهايكو للتعبير عن رحلته من التفكك الذهني إلى استعادة متعة اللحظة الراهنة. ويقول: “عدت إلى زمن حقيقي من المرح والفرح… لم أكن أبحث عن ذلك، كنت فقط أريد أن أعيش”.

كيف يحدث المرض؟

قد يرتبط التهاب الدماغ المناعي الذاتي بعدوى فيروسية أو بكتيرية، أو ينشأ عن خلل مناعي مستقل. ومن أبرز أنواعه ما يُعرف بـ التهاب الدماغ بمضاد مستقبلات إن إم دي إيه، والذي يظهر غالبًا لدى النساء الشابات، أحيانًا بسبب وجود ورم مبيضي يحتوي على أنسجة تشبه أنسجة الدماغ، ما يدفع الجهاز المناعي لإنتاج أجسام مضادة تهاجم مستقبلات عصبية محددة، مسببة تغيرات حادة في الشخصية والسلوك والإدراك.

وتختلف الأعراض باختلاف نوع الأجسام المضادة والمنطقة المصابة من الدماغ، سواء كانت مسؤولة عن الذاكرة أو المزاج أو الحواس أو الحركة.

خيارات العلاج

يرتكز العلاج على عدة محاور أساسية:

  • إزالة الأجسام المضادة الضارة من الدم (عبر تبادل البلازما).
  • إعطاء أجسام مضادة سليمة لدعم الجهاز المناعي.
  • استخدام جرعات عالية من الستيرويدات لتقليل الالتهاب.

يمثل التشخيص المبكر العامل الحاسم في تقليل المضاعفات واستعادة الوظائف المعرفية. وبينما قد لا تعود بعض الذكريات المفقودة، فإن الأمل يظل قائمًا في استعادة جودة الحياة وصناعة لحظات جديدة، حتى بعد معركة مع الدماغ ذاته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى