ظاهرة إغلاق مؤسسات الدولة قبيل عطلة العيد… عائق صامت في وجه التنمية

تشهد بعض المرافق العمومية في موريتانيا، مع اقتراب الأعياد، حالة من التراجع الملحوظ في الأداء الوظيفي، تصل في أحيان كثيرة إلى شبه تعطّل غير معلن للخدمات. إذ يغادر عدد من المسؤولين والموظفين أماكن عملهم قبل الموعد الرسمي للعطلة، في سلوك بات يتكرر بشكل موسمي، ويطرح تساؤلات جدية حول مستوى الانضباط الإداري والالتزام بالمسؤولية الوطنية.
هذه الظاهرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تصرف فردي عابر، بل هي مؤشر على خلل أعمق في ثقافة الخدمة العمومية. فحين تتحول الوظيفة من أداة لخدمة المواطن إلى وسيلة لتحقيق الراحة الشخصية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويقوض مبدأ استمرارية المرفق العام، الذي يُعد من ركائز الدولة الحديثة.
في الولايات الداخلية على وجه الخصوص، تبدو آثار هذه الممارسات أكثر وضوحًا، حيث يؤدي غياب المسؤولين إلى تعطيل مصالح الناس، وتعقيد إجراءاتهم الإدارية، في بيئة تعاني أصلًا من محدودية الخدمات. وهو ما يعمّق الفوارق التنموية، ويكرّس شعور التهميش لدى سكان تلك المناطق.
كما أن استمرار هذه السلوكيات يبعث برسائل سلبية في سياق إقليمي ودولي يتسم بالتنافسية والرهانات التنموية الكبرى، حيث لم يعد مقبولًا أن تُدار مؤسسات الدولة بعقليات تقليدية تفتقر إلى الجدية والانضباط، في وقت تتجه فيه الدول نحو تعزيز الحوكمة الرشيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة حازمة من السلطات العليا، عبر تفعيل آليات الرقابة والتفتيش، وضمان الالتزام الصارم بأوقات العمل الرسمية، خاصة في الفترات الحساسة التي تسبق العطل. كما تستدعي ترسيخ ثقافة إدارية جديدة، تقوم على الانتماء الوطني، واحترام المرفق العام، وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.
في النهاية، لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون إدارة عمومية منضبطة وفعّالة. فالموظف العمومي ليس مجرد منفذ للمهام، بل هو شريك أساسي في بناء الدولة، وأي تهاون في أداء هذا الدور ينعكس سلبًا على مسار التنمية برمته.
محمد عبد الله محمدن








