سلاح المقاومة بين اشتراطات المرحلة الثانية وضغوط «السلام» الأمريكي

تجدّد في الآونة الأخيرة الجدل حول مسألة تسليم سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، إذ يُطرح تارة كشرط «إسرائيلي» لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، وتارة كالتزام ملزم يرد على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وأحيانا باعتباره مدخلا لـ«سحب ذرائع» استئناف الحرب في بعض الأوساط الفلسطينية والعربية والإقليمية.
خطة ترمب والسلاح
تعاملت حركة حماس مع خطة الرئيس ترمب بقبول مشروط؛ إذ وافقت على المرحلة الأولى كاملة، بما تضمنت من وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات، بينما أرجأت القضايا السياسية الكبرى المرتبطة بالمقاومة ومستقبل القضية الفلسطينية إلى مسار تفاوضي لاحق وإلى إطار «التوافق الوطني الفلسطيني».
ورغم هذا التحفظ، اعتبر ترمب الموقف موافقة شاملة على «خطة السلام»، وأعلن عبر حساباته أن الحرب انتهت وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من السلام بجهوده.
في المقابل، التزمت حماس وبقية الأطراف الفلسطينية باستحقاقات المرحلة الأولى، وبذلت جهودا كبيرة في ملف تسليم الأسرى وجثامين الجنود، وأوقفت إطلاق النار من جانبها، ولم ترد إلا في حالات محدودة على الخروقات «الإسرائيلية» التي شملت قتل مئات المدنيين واغتيال قيادات بارزة في المقاومة.
أما الاحتلال، فلم يلتزم بفتح المعابر وفق الاتفاق، وفتح معبر رفح جزئيا وبشروط مشددة، مع استمرار الخروقات وتوسيع نطاق سيطرته داخل القطاع بدلا من تقليصها كما تنص البنود.
ورغم ذلك، ركزت التصريحات الأمريكية الرسمية على الإشادة بتنفيذ الاتفاق و«السلام السائد»، مع تكرار الحديث عن التزامات الجانب الفلسطيني، وفي مقدمتها تسليم السلاح، من دون الإشارة إلى الخروقات «الإسرائيلية».
هذا السياق يعكس أن الخطة بُنيت منذ البداية على مقاربة تُجرّم المقاومة وتُشرك الاحتلال في صياغة مسار الحل. ومن الشواهد على ذلك اللقاءات المتكررة بين ترمب ونتنياهو قبيل إعلان الخطة وقبيل انطلاق المرحلة الثانية، إضافة إلى البنود التي تمنح دولة الاحتلال دورا في قرارات مصيرية تخص غزة، وعضوية نتنياهو في مجلس السلام رغم ملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإبادة.
ومع انتهاء المرحلة الأولى دون تنفيذ كامل من جانب الاحتلال، اشترط نتنياهو نزع سلاح المقاومة لبدء المرحلة الثانية، بينما لوّح ترمب بإطلاق يد الحكومة «الإسرائيلية» لاستئناف الحرب إذا لم يتم تسليم السلاح.
كما شدد المبعوث نيكولاي ميلادينوف، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع نتنياهو، على أن «نزع سلاح جميع المسلحين في غزة» هو الخيار الوحيد المطروح.
سيناريوهات مطروحة وضمانات مثار شك
تسعى الإدارة الأمريكية إلى تقديم اشتراط نزع السلاح بوصفه مطلبا دوليا وعنصرا محوريا في الخطة التي «وافقت عليها حماس»، ما أدى إلى تكرار تناوله إعلاميا باعتباره أولوية المرحلة.
في المقابل، تعتبر حماس وفصائل المقاومة هذا الملف خطا أحمر، استنادا إلى اعتبارات مبدئية ووطنية وواقعية، مع طرح بدائل تفاوضية قُدمت إلى الدول الضامنة التي أبدت تفهما لها.
وتدور المقترحات حول الشكل (دفن السلاح أو تجميده)، والتوقيت (بعد انتشار قوة استقرار)، والجهة التي يُسلّم إليها (محلية أو إقليمية)، إضافة إلى التدرج بدءا بالسلاح الثقيل. ويُطلب من الحركة القبول بضمانات «المجتمع الدولي» بعدم تكرار العدوان، وبفتح المعابر وإدخال المساعدات وانسحاب الاحتلال، رغم سجل هذا المجتمع في العجز عن فرض ذلك.
فعلى مدار عامين، لم ينجح المجتمع الدولي في وقف الإبادة أو إدخال المساعدات أو حماية المدنيين، ولم يتمكن بعد إعلان وقف إطلاق النار من إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو فتح المعابر أو منع توسيع سيطرته داخل القطاع.
في الواقع، تبدو الإدارة الأمريكية الطرف الأكثر تأثيرا في تحديد مصير غزة، في ظل تنسيقها المستمر مع حكومة نتنياهو، ودعمها لما تصفه الأخيرة بـ«حرية الحركة»، فضلا عن التهديدات المتكررة باستئناف العمليات العسكرية.
وتشير تجارب تاريخية عديدة إلى أن الرهان على ضمانات دولية مجردة من أدوات الإلزام كثيرا ما أدى إلى خسارة القضايا أو تآكلها، بينما استندت حركات التحرر عبر التاريخ إلى عناصر قوتها الذاتية من سلاح وحاضنة شعبية وتحالفات.
جوهر الصراع وحدود المقاربة
تدرك حماس وسائر القوى الفلسطينية أن المسألة تتجاوز البعد التقني للسلاح، لتطال تجريم المقاومة فكرا وممارسة وتجريدها من أوراق القوة، وإظهارها بمظهر المستسلم، بما يترك الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال دون أدوات ردع.
وفي هذا السياق، طرح خالد مشعل في منتدى الدوحة ما سماه «مقاربة الضمانات»، التي تقوم على أن مصدر الخطر هو الاحتلال لا غزة، وأن أولويات القطاع تنحصر في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، مع إمكانية بحث هدنة طويلة الأمد، وتقديم الضامنين الثلاثة (مصر وقطر وتركيا) أنفسهم كأطراف تكفل التزام الجانب الفلسطيني.
غير أن تداول ملف السلاح بهذا الشكل يثير إشكالية مبدئية، إذ تبدو الأولوية الملحّة في غزة هي وقف خروقات الاحتلال، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، قبل الانتقال إلى ملفات سياسية أعمق.
وفي ظل استمرار الخروقات، ومنع اللجنة الإدارية من دخول القطاع، وتصريحات نتنياهو بأن وقف إطلاق النار «لا يعني الامتناع عما ينبغي فعله»، يصبح التركيز على نزع السلاح أداة ضغط سياسي تعيد إنتاج السردية القائلة إن الخطر مصدره غزة لا الاحتلال.
الأقرب إلى منطق الوقائع هو إعادة النقاش إلى أصل المشكلة: الاحتلال وخروقاته، لا سلاح المقاومة. فالاتفاقات التي تُفرض بقوة الأمر الواقع دون معالجة جذور الصراع تظل عرضة للفشل.
كما أن الرهان على «سحب الذرائع» يصطدم بتصريحات نتنياهو نفسه، الذي قال إن السلاح الثقيل لم يعد موجودا في غزة، وإن «الكلاشينكوف» بات السلاح الثقيل، مطالبا بتسليم عشرات الآلاف منه.
وتحدثت تقارير صحفية، بينها ما نشرته «نيويورك تايمز»، عن مقترح أمريكي لجدولة نزع السلاح بدءا بالأسلحة «القادرة على ضرب إسرائيل»، مقابل السماح ببعض الأسلحة الخفيفة، بما يفتح الباب أمام اشتراطات متدرجة قد تنتهي بالمطالبة بتسليم كل السلاح.
في ضوء ذلك، يبدو أن الهدف يتجاوز البعد الأمني إلى تثبيت رواية سياسية تعتبر ما جرى في السابع من أكتوبر خطأ ينبغي «الندم» عليه وتجاوزه، بما يطوي صفحته في الوعي الفلسطيني، ويعيد صياغة المعادلة على نحو يُضعف أدوات الضغط الفلسطينية في أي مسار تفاوضي مقبل.









