خطاب النعمة بين ادعاء الانسجام وواقع الانقسام: قراءة في وعود السلطة ومآلات الثقة

حين يتحول خطاب المصالحة إلى مرآة تُظهر هشاشة النخبة وانسداد الأفق السياسي.
“ليس الخطر في أن تتنازع النخب، بل في أن تزيف وعيها الجماعي وتوهم الشعب أن الاختلاف بينها مجرد تباين في الرأي، لا في المصالح.”
في خطابه بمدينة النعمة، أكد رئيس الجمهورية أنه ما زال مقتنعًا بعدم الصدام بين النخب السياسية، مشيرًا إلى أن الحالة العامة للبلد جيدة، وأن المؤسسات الدستورية تعمل بانتظام، وأن نظامه يحقق تقدمًا في محاربة الفساد والقضاء على الغبن والإقصاء. كما شكر المواطنين على ثقتهم، مذكرًا بانتخابهم له في 2019 وتجديدهم تلك الثقة في 2024.
غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه بحدة: هل الرئيس متأكد فعلًا من أن هذه الثقة كانت نابعة من قناعة شعبية صادقة؟
فالواقع أن المأمورية الجارية لم تحقق عُشر الوعود التي قُطعت في الأولى، ولا جسّدت الروح التي حملها خطاب الترشح الأول، حين كان الخطاب أقرب إلى نبض المواطن منه إلى قوالب السياسة التقليدية. بل إن الانتخابات الأخيرة حملت ظلالًا كثيفة من الشك، بسبب ما رافقها من إكراهٍ انتخابيٍّ وحشدٍ قسريٍّ للفقراء والمحتاجين، في تكرار مألوف لممارسات تُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
–
فسيفساء النخبة وانعدام الانسجام
الحديث عن “عدم الصدام بين النخب” يغفل عن حقيقة أن النخبة السياسية في البلاد منقسمة إلى أربعة تيارات متناحرة في الجوهر، مهما بدت متصالحة في الصورة:
- نخبة السلطة التي استمرأت نهب خيرات الوطن واحتكرت الوظائف والعقارات، فعملت على طمس الطبقة الوسطى وإضعاف أي إمكانية لتداول الفرص والحقوق.
- نخبة النفاق السياسي التي جعلت من التزلف وسيلة للترقي والانخراط في شبكات الولاء، لا في مشاريع الإصلاح.
- نخبة المظلومية التي وجدت في تسويق الانقسامات الشرائحية والطبقية تجارة رابحة، وأحيانًا أداة في يد النظام لتفكيك جبهة المظلومين.
- نخبة الإقصاء الصامتة، وهي الفئة التي تم تهميشها أو ترويضها بالصمت والمناصب الثانوية، لتبقى جزءًا من ديكور “التعددية الشكلية”.
كيف يمكن الانسجام بين هذه المكونات المتنافرة، وبين نخبة تمسك بزمام السلطة ولا ترعى في الوطن إلا مصلحتها ولا في المواطن إلا طاعته؟
محاربة الفساد: شعار أم واقع؟
قال الرئيس إن نظامه يحارب الفساد.
لكن الوقائع تشير إلى أن ما تحقق لم يتجاوز تقريرًا لمحكمة الحسابات شمل ثلاث قطاعات من أصل أكثر من ثلاثين. تم تقديم بعض المسؤولين كـ”كباش فداء” في محاولة لتهدئة الرأي العام، بينما ظل كبار المتورطين بمنأى عن المساءلة.
بل إن الأحاديث المتداولة تشير إلى أن بعض المشمولين استعادوا جوازات سفرهم ومقتنياتهم، وكأن ما جرى لم يكن سوى عرضٍ مسرحيٍّ مؤقت لخدمة أهداف سياسية مرتبطة بزيارة النعمة.
تعيينات تورث ولا تُتنافس
أما عن محاربة الغبن، فالمشهد الذي تكرر مؤخرًا حين أرسل قائد الأركان ابنه وأبناء ثلاثة من النافذين للتكوين العسكري كضباط متخصصين دون مسابقة أو إعلان رسمي، يلخص مأساة التوريث في المؤسسات.
لقد صار الوصول إلى الوظائف العامة امتيازًا موروثًا لا استحقاقًا مكتسبًا، وبات المواطن البسيط على يقين أن الطريق إلى الترقي مسدود ما لم يكن من “طينة الكبار”.
الحوار… أم إعادة إنتاج النظام؟
الخطاب الموجه من النعمة حمل نغمة تعبئة “للحوار الوطني”، لكن خلف هذا الهدف المعلن تلوح أهداف غير مصرح بها، من قبيل تعديل الدستور أو تمديد فترة المأمورية الرئاسية وربما إعادة مجلس الشيوخ، في خطوة قد تعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.
فكل حوار يُبنى على قاعدة الإكراه أو الاستفراد بالرأي لن يكون سوى مقدمة لتنازع جديدٍ في ثوبٍ ناعم.
خاتمة
بين خطابٍ يدعو إلى السلم بين النخب وواقعٍ يتغذى على الانقسام، تتضح الفجوة بين القول والفعل.
وما لم تُفتح نوافذ المشاركة الحقيقية وتُستعاد الثقة في المؤسسات والعدالة، فسيظل الشارع هو المسرح الوحيد للبوح،
وسيبقى السؤال معلقًا:
هل يستطيع النظام أن يوحد نخبه قبل أن ينفرط عقد الدولة؟









