خبير دستوري: تحصين المأمورية الرئاسية في الدستور الموريتاني يعكس توجهاً دولياً لحماية التناوب

أكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور محمد إدريس حرمة بابانا أن الدستور الموريتاني أرسى حماية صريحة لأحكام المأمورية الرئاسية عبر المادة 99، معتبراً أن هذا التحصين يضع قيوداً موضوعية أمام أي محاولة لتعديلها أو الالتفاف عليها.
وأوضح ولد بابانا، في دراسة تحليلية مقارنة حملت عنوان: «هل تملك الأغلبية حق إطالة السلطة؟ قراءة في حدود الزمن الرئاسي في الأنظمة الدستورية المعاصرة»، أن تحصين مدد الرئاسة وعددها لم يكن خياراً عرضياً، بل يأتي في سياق فلسفة دستورية حديثة تسعى إلى تكريس مبدأ التداول السلمي على السلطة ومنع تمركز الصلاحيات التنفيذية في يد شخص واحد لفترات طويلة.
وأشار إلى أن النقاش المتجدد بشأن إدراج مسألة المأموريات ضمن الحوار الوطني المرتقب يكتسب حساسية خاصة، لارتباطه المباشر بثوابت النظام الدستوري ومبدأ سمو الدستور واستقرار المؤسسات. وشدد على أن دراسته تندرج في إطار التحليل العلمي المقارن، بعيداً عن أي اصطفاف سياسي.
وفي ما يتعلق بمدة المأمورية، بيّن أن النموذج الأكثر انتشاراً في الأنظمة الدستورية يقوم على فترة تتراوح بين أربع وخمس سنوات، وهو ما يعتمده الدستور الموريتاني، باعتباره صيغة توازن بين متطلبات الاستقرار التنفيذي وحق الناخبين في الرقابة الدورية عبر صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، لفت إلى أن تمديد المدة إلى ست أو سبع سنوات يظل توجهاً أقل شيوعاً، وغالباً ما يقترن بتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية وتقليص هامش المساءلة السياسية.
أما بشأن عدد المأموريات، فأكد أن تحديدها بمأموريتين يمثل القاعدة السائدة في الدساتير المعاصرة، سواء كانتا متتاليتين أو منفصلتين، بوصف ذلك ضمانة مؤسسية لمنع احتكار السلطة وترسيخ مبدأ التناوب.
ونبه إلى أن التجارب التي اتجهت إلى إلغاء القيود أو “تصفير” العدّ الزمني للمأموريات شهدت في عدة حالات توترات سياسية وأزمات دستورية، معتبراً أن هذا المسار يُعد خروجاً عن المعايير الحديثة للحكم الديمقراطي.
وفي سياق مراجعة الدساتير، أبرز ولد بابانا أن مبدأ “عدم التراجع الديمقراطي” بات يشكل مرجعاً معترفاً به في الفقه الدستوري المقارن، بما يعني أن أي تعديل ينتقص من ضمانات التناوب—even لو استوفى الإجراءات الشكلية—قد يُعد مساساً بروح النظام الدستوري.
وختم بالتأكيد على أن الإصلاحات الدستورية التي لا تراعي معايير الاعتدال في مدة المأمورية، وتحديد عددها، وصون مبدأ التداول، تظل عرضة للتشكيك في مشروعيتها داخلياً وخارجياً، لما تمثله هذه الضوابط من ركائز أساسية في بناء دولة القانون والمؤسسات.









