حين تُدار الدولة بمنطق الشبكات: إقالة وزراء الإصلاح وإشكالية بناء دولة القانون

أثارت إقالة وزيري الصحة والزراعة، بعد فترة وجيزة من تعيينهما، موجة واسعة من الاستغراب في الشارع الموريتاني، ليس فقط لحداثة تجربتهما في المنصب، ولا لغياب شبهات الفساد عنهما، بل أيضًا لأن الرجلين ارتبط اسماهما، خلال فترة قصيرة، بمحاولات لفتح ملفات حساسة تمس قطاعات ظلّت لسنوات بعيدة عن الإصلاح الجاد.
فقد برز وزير الزراعة، خلال توليه السابق لقطاع المالية، بخطاب صريح حول اختلالات سوق التأمين، متسائلًا عن جدوى إلزام المواطنين بالتأمين في ظل غياب تعويض فعلي، وهو طرح يلامس بشكل مباشر مصالح اقتصادية راسخة. كما عُرف وزير الصحة، بحكم خلفيته المهنية، بدخوله في مسار إصلاحي لقطاع الصيدلة، عبر الدفع نحو تنظيم المهنة والحد من فوضى توزيع الأدوية، في سوق كثيرًا ما أثيرت حوله تساؤلات تتعلق بالجودة والرقابة.
هذه التحركات، وإن بدت في ظاهرها تقنية أو قطاعية، إلا أنها في العمق تمس شبكات مصالح معقدة، يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، والرسمي بغير الرسمي. ومن هنا، يكتسب قرار الإقالة دلالة تتجاوز مجرد التغيير الإداري، خاصة حين يُقترن بتعويض الوزيرين بشخصيات تنتمي إلى نفس الدوائر الاجتماعية والقرابية، بما يوحي بأن التغيير لم يطال البنية، بل اقتصر على الواجهة.
ليست القضية، إذن، في مبدأ الإقالة ذاته، بل في السياق الذي تتم فيه، وفي الرسائل التي تبعث بها. فحين يُفهم من المشهد أن من يقترب من ملفات حساسة يُستبدل سريعًا، بينما تُعاد مواقع المسؤولية داخل نفس الشبكات، فإن ذلك يعزز الانطباع بوجود حدود غير معلنة للإصلاح.
لفهم هذا الواقع، لا بد من التوقف عند التداخل بين ثلاثة عناصر رئيسية: القبيلة، والمال، والسلطة. فالقبيلة، التي أعادت تموضعها داخل الدولة الحديثة، ما زالت تؤدي دورًا حاسمًا في التعبئة الانتخابية وتوزيع النفوذ. أما رجال الأعمال، فقد تحولوا في كثير من الأحيان إلى فاعلين سياسيين غير مباشرين، يساهمون في تمويل المسارات الانتخابية، ويؤثرون في مآلات القرار العمومي.
في هذا الإطار، تتشكل شبكة معقدة من المصالح، حيث يلتقي التمويل بالتصويت، ويُترجم ذلك إلى نفوذ داخل مؤسسات الدولة. وعندما يحاول فاعل حكومي كسر هذا التوازن، حتى من بوابة إصلاح قطاعي، فإنه لا يواجه خللًا إداريًا فحسب، بل يصطدم ببنية متماسكة تحمي نفسها.
إن أخطر ما في هذا النمط من الحكم، أنه لا يعطل الإصلاح فقط، بل يعيد تعريف الدولة نفسها. فبدل أن تكون إطارًا محايدًا يحتكم إلى القانون، تتحول تدريجيًا إلى وسيط لتوزيع الامتيازات داخل شبكات محددة. وهنا، لا يصبح السؤال من هو الوزير، بل إلى أي شبكة ينتمي، وما حدود حركته داخلها.
إن إقالة وزراء ارتبطت أسماؤهم بمحاولات إصلاح، في غياب تفسير رسمي مقنع، ومع إعادة تدوير المنصب داخل نفس المحيط الاجتماعي، تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى توفر الإرادة السياسية لفتح الملفات الأكثر حساسية. كما تعكس فجوة بين الخطاب الرسمي حول محاربة الفساد، والممارسة الفعلية التي تبدو، في بعض الأحيان، أكثر حذرًا من الاقتراب من مراكز النفوذ.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج، رغم ما يوفره من توازنات مؤقتة، يظل محدود القدرة على إنتاج تنمية مستدامة أو بناء ثقة دائمة. فالدولة التي تُدار بمنطق الشبكات، لا تستطيع أن ترسخ مبدأ تكافؤ الفرص، ولا أن تضمن سيادة القانون بمعناه الحقيقي.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تغيير الأشخاص، بل في كسر الحلقة التي تجعل من الإصلاح مخاطرة، ومن المحافظة على التوازنات هدفًا في حد ذاته. فبناء دولة القانون لا يتم إلا حين تصبح القواعد فوق الجميع، وحين يُحمى الإصلاح بدل أن يُكبح، ويُكافأ من يفتح الملفات بدل أن يُستبدل.
عندها فقط، يمكن أن تتحول الدولة من ساحة لتقاطع المصالح، إلى مؤسسة تُدار بالقانون، لا بموازين القوة.
حمادي سيدي محمد آباتي







