تصعيد ميداني وسياسي في الحسكة: الجيش السوري يتقدم وملف السجون يشعل الخلاف مع «قسد»

تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تطورات ميدانية وأمنية متلاحقة، مع وصول وحدات من الجيش العربي السوري مدعومة بقوات عشائرية إلى محيط مدينة الحسكة، في أكبر تحرك عسكري منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وإدماج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ضمن مؤسسات الدولة.
ووفق مصادر محلية، بلغت قوات الجيش تقاطع «بانوراما» عند المدخل الجنوبي للمدينة، بعد تقدمها من محوري الرقة ودير الزور، ضمن انتشار أوسع يهدف إلى بسط السيطرة وتأمين منطقة الجزيرة السورية. كما أكدت هيئة العمليات في الجيش بدء الانتشار في أرياف الحسكة الغربية والشمالية، إلى جانب تأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، التزاما ببنود الاتفاق الموقع مع «قسد».
الشدادي تحت السيطرة
ميدانيا، أعلن التلفزيون الرسمي السوري بسط الجيش سيطرته الكاملة على مدينة الشدادي جنوب الحسكة، بما في ذلك السجن الموجود فيها، وبدء عمليات تأمين وملاحقة لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية الذين فرّوا عقب إطلاق سراح عدد منهم.
وأعلنت السلطات السورية فجر الثلاثاء إلقاء القبض على 81 عنصرا من التنظيم الهاربين، بالتزامن مع اشتباكات اندلعت بين الجيش ومجموعة تابعة لـ«قسد» داخل سجن الأقطان في مدينة الرقة. وقالت وزارة الداخلية إن نحو 120 عنصرا فرّوا من سجن الشدادي، ما استدعى دخول وحدات من الجيش وقوات خاصة لتنفيذ عمليات تمشيط واسعة وإعادة فرض الأمن.
ملف السجون وإجراءات أمنية
وسبق ذلك فرض حظر تجوال كامل في المدينة ومحيطها، مع تحميل «قسد» مسؤولية إطلاق سراح سجناء من التنظيم، والتأكيد على تنفيذ عمليات تمشيط شاملة لضبط الأمن. كما أشارت تقارير ميدانية إلى نقل عدد من السجناء إلى مواقع أكثر تحصينا، في وقت تتواصل فيه عمليات البحث عن عشرات الفارين وسط تعزيزات وانتشار أمني مكثف.
وفي هذا السياق، أعلن معاون وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان أن الحكومة ستعيد التحقيق في ملفات جميع الموقوفين داخل السجون التي كانت تحت سيطرة «قسد»، مؤكدا أن كل حالة ستُدرس على حدة، مع إحالة القضايا الجنائية إلى القضاء المختص، وفق الأطر القانونية المعتمدة وبالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية.
تعقيدات سياسية ومفاوضات متعثرة
سياسيا، كشفت مصادر مطلعة عن فشل الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين الحكومة السورية والمبعوث الأميركي توم براك ووفد «قسد»، بعد تراجع قائد «قسد» مظلوم عبدي عن بنود الاتفاق المتعلقة بوحدة الأراضي السورية وتسليم الإدارة العسكرية والأمنية لمحافظتي الرقة ودير الزور.
وبحسب المصادر، استمر الاجتماع نحو خمس ساعات بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من كبار المسؤولين، إلى جانب الوفد الأميركي ووفد «قسد». ورفض الشرع طلب الإبقاء على الحسكة تحت إدارة «قسد»، مانحا عبدي مهلة خمسة أيام للتشاور وتقديم رد نهائي، مع تحذير من حسم ملف الحسكة بالقوة في حال عدم الالتزام.
في المقابل، قال ممثل الإدارة الذاتية الكردية في دمشق عبد الكريم عمر إن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود وانهارت بالكامل، معتبرا أن الطرح الحكومي تمثل في «الاستسلام غير المشروط». بينما أكد مظلوم عبدي أنه وافق على الاتفاق لوقف حرب «فُرضت» على قواته.
تحركات ميدانية ودعوات للتسلح
وأفادت تقارير محلية بأن «قسد» أطلقت دعوات للشباب الأكراد في سوريا ودول الجوار وأوروبا للانخراط في صفوف ما وصفته بـ«المقاومة»، في حين تحدثت مصادر من القامشلي عن بدء عناصر من حزب العمال الكردستاني توزيع السلاح داخل المدينة.
اتصالات سورية أميركية وتحذيرات إنسانية
وعلى صعيد موازٍ، أعلنت الرئاسة السورية إجراء اتصال هاتفي بين الرئيس أحمد الشرع ونظيره الأميركي دونالد ترامب، جرى خلاله بحث تطورات الأوضاع، والتأكيد على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، وضمان حقوق المكوّن الكردي ضمن إطار الدولة، ومواصلة التعاون في مكافحة تنظيم الدولة.
إنسانيا، حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من تدهور الأوضاع في شرق وشمال شرقي سوريا، مؤكدة أن الاشتباكات أجبرت آلاف الأسر على النزوح، ومشددة على ضرورة ضمان وصول آمن وسريع للمساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
وتتهم دمشق «قسد» بالتنصل من اتفاق مارس/آذار 2025، الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن إدارة الدولة، واحترام حقوق المكوّن الكردي، وإعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، والتأكيد على وحدة الأراضي السورية، في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لبسط السيطرة وضبط الأمن في مختلف أنحاء البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.









