الأخبار العالمية

تصعيد محسوب ومخارج دبلوماسية: واشنطن وطهران بين ضغوط الحرب وفرص التسوية

دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة مفصلية، مع بروز مؤشرات على ما يمكن اعتباره “مخرجاً استراتيجياً” للأزمة. فبعد أن منح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مهلة أولية مدتها 48 ساعة لفتح مضيق هرمز تحت تهديد استهداف البنية التحتية للطاقة، عاد ليعلن تمديدها إلى خمسة أيام، في خطوة تكتيكية تهدف إلى احتواء التداعيات الاقتصادية العالمية المتسارعة.

ويعكس هذا التحول توجهاً أمريكياً نحو تحقيق مكاسب سياسية بالتوازي مع إدارة الضغوط الداخلية، خاصة في ظل الارتفاع الحاد لأسعار النفط بنسبة بلغت نحو 40%، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للإدارة الأمريكية لإنهاء التصعيد العسكري.

وبين استمرار الضربات على أهداف عسكرية ومنشآت صاروخية، تبرز في المقابل لغة “المحادثات البناءة” كأداة لإدارة الأزمة، في مشهد يعكس تداخلاً بين التصعيد العسكري والسعي إلى تسوية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.

دبلوماسية موازية خلف خطوط المواجهة

تعتمد إدارة ترمب على نهج “المسارات المتوازية”، حيث كشفت تقارير إعلامية عن استمرار القنوات الدبلوماسية رغم اندلاع المواجهات، إذ تطورت من تبادل رسائل غير مباشرة إلى اتصالات هاتفية مباشرة بين الطرفين.

ولعب كل من جاريد كوشنر، مستشار ترمب، وستيف ويتكوف، مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط، دوراً محورياً في هذه الاتصالات، مستفيدين من انخراطهما السابق في حوارات مع الجانب الإيراني قبل اندلاع الأزمة، ما أضفى استمرارية على جهود التفاوض.

اتصالات تمهيدية لاستكشاف التهدئة

شهدت الفترة الأخيرة إجراء اتصال هاتفي وُصف بالتمهيدي بين ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بهدف بحث فرص خفض التصعيد.

وبحسب مصادر مطلعة، ركزت هذه الاتصالات على استكشاف أرضية مشتركة، حيث أكدت طهران رفضها لأي وقف إطلاق نار مؤقت، مطالبة باتفاق سلام شامل يتضمن ضمانات بعدم التعرض لها مستقبلاً، إلى جانب تخفيف محدد للعقوبات الاقتصادية.

في المقابل، تشير المعطيات إلى استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد أهداف غير مرتبطة بقطاع الطاقة، ما يعكس ازدواجية المسار بين التفاوض والتصعيد.

وساطات إقليمية وقنوات غير مباشرة

تكثفت خلال الأيام الماضية التحركات الدبلوماسية غير المباشرة، بمشاركة عدد من الوسطاء الإقليميين والدوليين، من بينهم مصر وتركيا وباكستان وسلطنة عمان وقطر، إضافة إلى فرنسا وبريطانيا.

وتركزت هذه الجهود على طرح مقترحات تقنية تتعلق بحماية منشآت الطاقة وضمان استمرار الملاحة، وسط تباين واضح في المطالب، حيث تصر واشنطن على فتح مضيق هرمز دون شروط، بينما تتمسك طهران بضمانات سيادية ورفض الحلول المؤقتة.

كما طُرحت مقترحات إيرانية تتعلق بإعادة تنظيم حركة الملاحة في المضيق، بما يشمل فرض رسوم عبور، وهو ما قوبل برفض من الولايات المتحدة وحلفائها.

تحديات داخلية وغياب قنوات تقليدية

تعقدت جهود الوساطة عقب غياب شخصيات إيرانية بارزة كانت تلعب دوراً محورياً في الحوار مع الغرب، ما دفع الوسطاء إلى البحث عن قنوات بديلة داخل مراكز القرار الإيراني، بما في ذلك التواصل المباشر مع الحرس الثوري.

وفي هذا السياق، برزت مبادرات لطرح هدنة مؤقتة كإجراء لبناء الثقة، بالتوازي مع تحركات باكستانية لاستضافة محادثات مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، في محاولة لإيجاد أرضية تفاوضية أكثر استقراراً.

خلافات جوهرية حول شروط التسوية

يدور الخلاف الأساسي بين الطرفين حول طبيعة وشروط الاتفاق المحتمل، حيث تسعى واشنطن إلى تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم الإقليمي لحلفاء طهران، مع ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

في المقابل، تطالب إيران باتفاق شامل ومستدام يتضمن ضمانات أمنية واضحة، واعترافاً بما تعتبره “عدواناً”، إضافة إلى تعويضات مالية ورفع فوري وجزئي للعقوبات الاقتصادية.

مضيق هرمز… عقدة الصراع الأساسية

يبقى مضيق هرمز محور الأزمة، نظراً لأهميته الاستراتيجية في نقل نحو 20% من صادرات النفط العالمية. وتسعى واشنطن إلى فرض نوع من الإشراف الدولي على المضيق، بينما ترفض طهران ذلك وتتمسك بسيادتها عليه.

وقد أدى التصعيد إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، مع تسجيل ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز، ما فاق تأثير صدمات الطاقة التاريخية.

في المقابل، تلوّح إيران بخيارات تصعيدية تشمل إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة، ما يضيف بعداً خطيراً للأزمة ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

تباين أمريكي إسرائيلي في إدارة الصراع

تظهر خلافات واضحة بين واشنطن وتل أبيب في مقاربة إدارة الأزمة، حيث تميل الإدارة الأمريكية إلى استثمار التصعيد العسكري للوصول إلى تسوية سياسية، بينما تدفع إسرائيل نحو مواصلة العمليات العسكرية لتقويض القدرات الإيرانية بشكل كامل.

هذا التباين يضعف فرص التوصل إلى اتفاق شامل، خاصة في ظل رفض إسرائيل لأي تسوية لا تحقق تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني.

مستقبل مفتوح بين التهدئة والتصعيد

يبقى المشهد العام هشاً في ظل انعدام الثقة بين الأطراف، حيث تنظر طهران إلى التحركات الأمريكية باعتبارها تراجعاً تكتيكياً، فيما تعتبرها واشنطن فرصة أخيرة قبل تصعيد أوسع.

وبين رهانات التهدئة واحتمالات التصعيد، تظل الأسئلة مفتوحة حول قدرة الجهود الدبلوماسية على احتواء الأزمة، وما إذا كانت المهلة الحالية ستقود إلى اتفاق فعلي، أم تمهد لجولة جديدة أكثر حدة من الصراع.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى