تصعيد عسكري في أحياء حلب الشمالية يعيد ملف «قسد» إلى الواجهة

أعلنت هيئة عمليات الجيش السوري، في السابع من يناير/كانون الثاني، اعتبار جميع مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب أهدافًا عسكرية، وذلك على خلفية تصعيد جديد أعقب استهداف آلية عسكرية للجيش قرب دوار الليرمون، ما أدى إلى مقتل أحد عناصره، بحسب مصادر رسمية.
ويُعد هذا التصعيد هو الثالث خلال أقل من ستة أشهر، بعد مواجهات سابقة أواخر سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، انتهت حينها بتهدئات مؤقتة، قبل أن تتطور الجولة الحالية إلى اشتباكات أكثر حدة.
وتزامن الإعلان مع إطلاق عملية عسكرية في المناطق التي تنتشر فيها قوات «قسد» شمال حلب، مع فتح ممرات إنسانية لإتاحة المجال أمام المدنيين لمغادرة الأحياء، في مؤشر على مسار تصاعدي مختلف عن الجولات السابقة.
خلفية تاريخية للأحياء الثلاثة
تُعد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد من المناطق الشعبية التي شهدت تنوعًا سكانيًا ضم الأكراد والعرب والتركمان، وبلغ عدد سكانها في فترات سابقة قرابة 200 ألف نسمة.
في صيف عام 2012، شهد حيّا الأشرفية والشيخ مقصود أول تحرك لحزب الاتحاد الديمقراطي، المصنف كامتداد سوري لحزب العمال الكردستاني، حيث خرجت تظاهرات رُفعت خلالها صور عبد الله أوجلان، أعقبها انتشار وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) دون اشتباكات مع قوات النظام آنذاك، بالتزامن مع دخول فصائل المعارضة إلى أحياء حلب الشرقية.
وأشارت دراسات بحثية إلى أن هذا الانتشار جرى في سياق تفاهمات غير معلنة بين الحزب والنظام السوري، بهدف احتواء الحراك الكردي واستخدامه كورقة ضغط إقليمية، وهو ما أقر به لاحقًا مسؤولون في الحزب.
الصراع على طرق الإمداد
بين عامي 2013 و2016، تمركزت فصائل المعارضة السورية على أطراف الأحياء الثلاثة لتأمين «طريق الكاستلو»، شريان الإمداد الحيوي لأحياء حلب الشرقية. وخلال تلك الفترة اندلعت مواجهات متكررة بينها وبين وحدات حماية الشعب، انتهت بسيطرة الأخيرة على الأحياء بالكامل أواخر عام 2016، بالتزامن مع خروج فصائل المعارضة من المدينة عقب الحملة المدعومة روسيًا.
ومنذ ذلك التاريخ، احتفظت الوحدات الكردية بالسيطرة على هذه المناطق حتى اليوم.
اتفاق أبريل 2025 والتصعيد اللاحق
في أبريل/نيسان 2025، وقّعت الحكومة السورية اتفاقًا مع وحدات الحماية الكردية المنضوية ضمن «قسد»، في إطار مسار تفاوضي أوسع برعاية أميركية، نصّ على انسحاب القوات العسكرية من الشيخ مقصود والأشرفية، وتولي وزارة الداخلية مسؤولية الأمن، مع ضمان التمثيل الإداري العادل للأحياء ضمن محافظة حلب.
غير أن التصعيد المتكرر بعد الاتفاق كشف احتفاظ «قسد» بأسلحة ثقيلة داخل الأحياء، واستخدامها في الاشتباكات، ما دفع الحكومة إلى تشديد الإجراءات الأمنية وصولًا إلى إطلاق العملية العسكرية الحالية.
تعثر المفاوضات وخيار القوة
جاء التحرك العسكري بعد نحو عشرة أشهر من توقيع الاتفاق الشامل بين دمشق وقيادة «قسد»، والذي نص على وحدة الأراضي السورية واندماج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن الدولة، دون تحقيق تقدم فعلي في آليات التنفيذ أو الجداول الزمنية.
وشهدت جولات التفاوض الأخيرة توترًا متزايدًا، وسط تبادل اتهامات بالمماطلة وخرق الاتفاق، مع بروز خلافات حادة حول بقاء الوحدات المسلحة، ودخول القوات الحكومية إلى مناطق سيطرة «قسد»، إضافة إلى ملف عناصر النظام السابق.
عملية عسكرية محدودة الأهداف
في الثامن من يناير/كانون الثاني، أعلنت هيئة العمليات العسكرية عزمها تنفيذ حملة استهداف دقيقة لمواقع «قسد» في الأحياء الثلاثة، مع توجيه نداءات للمدنيين بالابتعاد عن المقرات العسكرية، في مؤشر على تريث رسمي في اللجوء إلى اجتياح بري واسع.
وأكدت مصادر عسكرية أن التركيز على حي الأشرفية يعود إلى موقعه المرتفع، الذي يتيح استهداف طرق حيوية مثل طريق حلب–غازي عنتاب، واستخدام الأبنية العالية لنشر القناصة وتهديد الأحياء المجاورة والطريق التجاري الرابط بين حلب والحدود التركية.









