الأخبار العالمية

تصاعد خطاب حزب الله بعد اغتيال خامنئي وعودة المواجهة مع إسرائيل

أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في كلمة ألقاها خلال إحياء الذكرى السنوية لاغتيال القيادي في الحزب فؤاد شكر بتاريخ 30 يوليو/تموز 2025، تمسك الحزب بخيار المواجهة مع إسرائيل واستمراره في نهج المقاومة. وجاءت تصريحاته في وقت تشهد فيه المنطقة توترا متصاعدا، خاصة مع الحشد العسكري الأمريكي المتزايد والتهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

وفي 26 يناير/كانون الثاني 2026، صعّد قاسم من نبرته، مؤكدا أن الحزب سيواجه تهديدات ترامب بكل الوسائل الممكنة، معتبرا أن أي استهداف لخامنئي يمثل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة والعالم.

حتى ذلك الوقت، بدا لكثير من المراقبين أن الخطاب السياسي للحزب يفوق قدراته العملياتية، خصوصا بعد الضربات القاسية التي تعرض لها خلال العامين الماضيين، والتي شملت اغتيال عدد من قياداته البارزين، وفي مقدمتهم الأمين العام السابق حسن نصر الله في سبتمبر/أيلول 2024.

لكن في 2 مارس/آذار 2026 تغير المشهد جذريا، إذ دخل حزب الله مجددا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل عقب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في هجوم إسرائيلي–أمريكي. وسارعت إسرائيل إلى تنفيذ مئات الغارات الجوية على مناطق مختلفة في لبنان، بالتزامن مع مطالبة سكان جنوب البلاد بإخلاء مناطقهم والتوجه شمال نهر الليطاني.

وترافق ذلك مع حشد عسكري إسرائيلي واسع شمل استدعاء نحو 100 ألف جندي احتياط، قبل إطلاق عملية برية في الجنوب تحت عنوان “الدفاع المتقدم”، بهدف توسيع المنطقة العازلة لحماية المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة.

وتوالت التصريحات الإسرائيلية التي تعكس طبيعة هذه العملية وأهدافها، إذ صرح قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي رافي ميلو بأن حزب الله وقع في “كمين استراتيجي”. في حين اعتبر رئيس الأركان إيال زامير أن الظروف باتت مواتية لإنهاء وجود الحزب ونزع سلاحه بشكل كامل. أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فذهب أبعد من ذلك، معلنا أن الحرب تهدف إلى تغيير الحدود الحالية بين لبنان وإسرائيل وصولا إلى ضفاف نهر الليطاني.

انتهاكات مستمرة بعد اتفاق وقف إطلاق النار

رغم توقيع حزب الله اتفاقا لوقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فإن هذا الاتفاق ظل في الواقع أحادي الجانب. فخلال الفترة الممتدة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، وثق تقرير صادر عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق أكثر من 13,275 انتهاكا إسرائيليا للاتفاق.

وشملت هذه الانتهاكات تنفيذ 1,645 غارة جوية، و9,004 خروق للمجال الجوي اللبناني، إضافة إلى مقتل 353 شخصا وإصابة 988 آخرين، فضلا عن استمرار احتجاز ما لا يقل عن 20 أسيرا لبنانيا، بعضهم اعتقل بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

في المقابل، التزم حزب الله خلال تلك الفترة سياسة الصمت الميداني، حيث تجنب الرد على الاغتيالات والغارات التي استهدفت كوادره ومواقعه. ويُعتقد أن هذا النهج جاء في إطار محاولة لإعادة ترتيب صفوفه وترميم قدراته العسكرية والأمنية بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها أثناء دعمه للمقاومة في غزة عقب عملية “طوفان الأقصى”.

نتائج محدودة لعمليات الاغتيال الإسرائيلية

تشير دراسات تحليلية إسرائيلية إلى أن سياسة الاغتيالات التي اعتمدتها تل أبيب لم تحقق النتائج الاستراتيجية المرجوة. فقد نشر معهد “ألما” الإسرائيلي للأبحاث في 4 فبراير/شباط 2026 تحليلا شمل 254 عملية اغتيال نفذت بين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وفبراير/شباط 2026.

وأظهر التحليل أن 73.6% من المستهدفين كانوا من العناصر ذات الرتب الدنيا في الحزب، بينما بلغت نسبة القادة المتوسطين 22.8%، في حين لم تتجاوز نسبة القيادات العليا 3.5%.

ويرى المعهد أن هذه الأرقام تعكس تحسنا في الإجراءات الأمنية التي يتبعها حزب الله، مثل التكتم على هوية القتلى، ومنع عناصر الجناح العسكري من التواصل الإعلامي، إضافة إلى اعتماد نظام بدائل قيادية يضمن استمرارية العمل العسكري.

وبناء على ذلك، خلص التقرير إلى أن وتيرة إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب قد تتجاوز في بعض الجوانب الجهود الإسرائيلية الرامية إلى إضعافه.

خلافات لبنانية حول سلاح حزب الله

مع اتساع رقعة المواجهة، برزت انقسامات داخلية في لبنان بشأن مستقبل سلاح حزب الله. ففي 2 مارس/آذار 2026، أصدرت الحكومة اللبنانية قرارا بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، وكلفت الجيش بتسريع تنفيذ خطة لنزع سلاحه.

وكان اللافت أن وزراء حركة أمل، الحليف السياسي التقليدي لحزب الله، صوتوا لصالح القرار، رغم معارضة الحركة سابقا لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. ويأتي ذلك في ظل تصريحات متكررة لرئيس مجلس النواب نبيه بري أكد فيها أن الحزب لن ينخرط في حرب جديدة مع إسرائيل، ما يعكس تباينا متزايدا في المواقف بين الطرفين.

وعقب القرار الحكومي، أوقف الجيش اللبناني 12 عنصرا من حزب الله عند أحد الحواجز العسكرية وأحالهم إلى المحكمة العسكرية. ورغم الإفراج عن ثلاثة منهم بعد التحقيق وفرض غرامة مالية عليهم، فإن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية طعن في القرار أمام محكمة التمييز العسكرية، بينما أحال وزير العدل القاضي الذي أصدر قرار الإفراج إلى التفتيش القضائي للتحقيق معه.

وتكشف هذه التطورات عن صراع خفي داخل المؤسسات اللبنانية بين نفوذ حزب الله وبعض القوى السياسية والقضائية التي تدفع نحو نزع سلاحه بدعم من أطراف غربية.

الجيش اللبناني بين الضغوط والانقسام المحتمل

على الرغم من الإجراءات الرسمية، لا يزال قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يرفض إدخال المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع حزب الله. ويعود ذلك إلى إدراكه أن نزع سلاح الحزب بالقوة قد يؤدي إلى انقسام داخل الجيش نفسه ويهدد باندلاع حرب أهلية طائفية في البلاد.

ويعكس هذا الوضع حالة استقطاب متزايدة داخل المؤسسات اللبنانية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والطائفية في تحديد المواقف من سلاح الحزب.

وفي الوقت نفسه، تسعى بعض الجهات داخل الدولة إلى إظهار مسافة واضحة بين مؤسسات الدولة وحزب الله، في محاولة لتجنيب البنية التحتية اللبنانية الدمار في حال اندلاع حرب واسعة مع إسرائيل.

رفض حزب الله تسليم السلاح

وسط هذه التطورات، جدد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في 4 مارس/آذار 2026 تمسك الحزب بسلاحه، مؤكدا أن “المقاومة حق غير قابل للتفاوض”.

ورغم تصاعد الهجمات الإسرائيلية وعمليات النزوح في جنوب لبنان، رفض الحزب مبادرة فرنسية تقضي بوقف إطلاق النار مقابل تسليم سلاحه والسماح للجيش اللبناني بالانتشار في مناطق نفوذه العسكري.

الأهداف الإسرائيلية تتجاوز نزع سلاح الحزب

تشير المعطيات الحالية إلى أن أهداف إسرائيل في لبنان باتت أوسع مما كانت عليه قبل عامين. ففي عام 2024 كانت القيود الإقليمية، خاصة الردع الإيراني وموقف إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، تحد من التصعيد.

أما اليوم، فيبدو أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهداف تتجاوز نزع سلاح حزب الله، لتصل إلى فرض اتفاق سلام مع الحكومة اللبنانية وإعادة تشكيل التوازن السياسي في البلاد.

وقد ظهرت بوادر هذا التحول في 9 يناير/كانون الثاني 2026، عندما دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية، وهو طرح كان يعد سابقا من المحظورات السياسية في لبنان.

صعوبة القضاء على حزب الله عسكريا

رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، تشير الوقائع الميدانية إلى أن القضاء الكامل على حزب الله أو نزع سلاحه بالقوة يظل مهمة شديدة التعقيد. فالغارات الجوية الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تنجح في إنهاء وجود الحزب حتى في جنوب نهر الليطاني.

ولهذا السبب، أصدرت إسرائيل منذ بداية الحرب الأخيرة أوامر بإخلاء مناطق جنوب لبنان بالكامل، قبل أن تمتد تلك الأوامر لاحقا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. كما هدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتدمير الضاحية على غرار ما حدث في مدينة خانيونس بقطاع غزة.

حرب تتجاوز البعد العسكري

في ضوء هذه التطورات، تبدو المواجهة الحالية أكثر من مجرد حرب عسكرية. فإسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني بالكامل، ودفع بيروت نحو مسار التطبيع، بما يضمن وجود شريك سياسي وأمني على حدودها الشمالية.

وفي المقابل، يعمل حزب الله منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024 على مراجعة شاملة لأدائه العسكري والأمني بعد الضربات التي تعرض لها. واعتمد الحزب خلال هذه المرحلة سياسة الغموض والتكتم بشأن أنشطته العسكرية، حتى داخل بيئته الحاضنة.

وتشير عمليات الاغتيال والغارات الإسرائيلية المتواصلة جنوب نهر الليطاني إلى أن الحزب يواصل إعادة بناء قدراته العسكرية ورفع جاهزيته القتالية، استعدادا لمواجهة قد تكون الأوسع في تاريخ الصراع بينه وبين إسرائيل.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى