صحة

تاريخ الإنسولين وتطوره: من ليونارد طومسون إلى إدارة مرض السكري الحديث

في ديسمبر 1921، كان ليونارد طومسون البالغ من العمر 14 عامًا على وشك الموت. كان يعاني من داء السكري ويزن 65 رطلاً فقط، ولم تتحسن حالته بعد شهر في مستشفى تورنتو العام، فقرر الأطباء اللجوء إلى علاج تجريبي كان يطوره باحثون كنديون.

في يناير 1922، تم حقن طومسون بحذر بمستخلص من بنكرياس الأبقار. في ذلك الوقت، كان الفهم العلمي والطبي للسكري محدودًا، لكنه كان يتقدم بسرعة. كان الفريق الطبي يأمل أن ينظم هذا المستخلص، المستخرج من بنكرياس سليم، مستويات السكر في الدم—مادة أطلقوا عليها اسم الإنسولين.

ثبت أن الحقنة أنقذت حياة طومسون، مما مثل نقطة تحول في علاج حالة كانت تعتبر حكمًا بالإعدام في السابق، وفقًا للجمعية الكيميائية الأميركية (ACS).

داء السكري ووظيفة الإنسولين

داء السكري مرض مزمن يعطل آلية الجسم في استقلاب السكر. عادةً ما يشير ارتفاع نسبة السكر في الدم إلى إفراز البنكرياس للإنسولين. في داء السكري من النوع الأول، ينتج البنكرياس القليل من الإنسولين أو لا ينتجه على الإطلاق، أما في النوع الثاني فقد ينتج البنكرياس الإنسولين لكن الجسم لا يستطيع استخدامه بفاعلية. كلا الحالتين تؤدي إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز، مما يسبب مضاعفات خطيرة في الدورة الدموية والجهاز العصبي والجهاز المناعي، مثل العمى، وفشل الكلى، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية.

على الرغم من التقدم الطبي منذ عهد طومسون، لا يزال السكري أحد الأسباب الرئيسية للوفاة عالميًا، حيث تسبب في وفاة 1.5 مليون شخص في عام 2019. ويزداد عبء المرض عالميًا؛ فقد ارتفع عدد المصابين من 108 ملايين في عام 1980 إلى 422 مليونًا في عام 2014، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، أصبح مرض السكري الآن قابلاً للسيطرة نسبيًا لأولئك الذين يمكنهم الحصول على الإنسولين.

التاريخ المبكر لمرض السكري

تم توثيق حالات السكري منذ حوالي 3500 عام في مصر القديمة، حيث وثق الطبيب هسي رع حالات “كثرة التبول”. في عام 1675، اكتشف الطبيب البريطاني توماس ويليس أن بول المرضى الحلو المذاق مؤشر على الإصابة بالسكري.

في عام 1869، اكتشف طالب الطب الألماني بول لانغرهانز مجموعات من خلايا البنكرياس، والتي عُرفت لاحقًا باسم جزر لانغرهانز، ولم يكن معروفًا وظيفتها آنذاك. لاحقًا، أظهرت التجارب أن إزالة البنكرياس من الكلاب تسبب السكري، ما أظهر أن البنكرياس ينتج مادة ضرورية لاستقلاب السكر.

في عام 1909، تم تقديم مصطلح الإنسولين، مشتق من الكلمة اللاتينية “جزيرة”، في إشارة إلى خلايا جزر البنكرياس. وأظهرت الأدلة المبكرة أن هذه الخلايا تتضرر لدى مرضى السكري من النوع الأول.

فريدريك بانتينغ واكتشاف الإنسولين

بدأ الطبيب الكندي فريدريك بانتينغ تجاربه في عام 1921 بالتعاون مع تشارلز بيست وجيمس كوليب تحت إشراف جون ماكلويد في جامعة تورنتو. ابتكر الفريق طريقة لاستخراج وتنقية الإنسولين من خلايا البنكرياس، باستخدام الكحول لفصل الإنسولين عن الشوائب.

بعد نجاح التجارب على الحيوانات، تم إجراء أول تجربة بشرية على ليونارد طومسون في يناير 1922، مما خفض مستويات السكر في دمه وأنقذ حياته. تم تطوير تقنيات الإنتاج، وفي مايو 1922 بدأت شركة إيلي ليلي بتوسيع الإنتاج لتلبية احتياجات المرضى، وشحنت أولى الدفعات للتجارب السريرية في يوليو.

تطور العلاج بالإنسولين

حول الإنسولين سريعًا مرض السكري من حالة قاتلة إلى مرض يمكن السيطرة عليه. عاش المرضى الأوائل لفترة أطول بفضل العلاج المنتظم، وفي عام 1923 حصل بانتينغ وماكلويد على جائزة نوبل لاكتشافهما الإنسولين.

بدأ الإنتاج الصناعي للإنسولين الحيواني، مع شركات مثل إيلي ليلي ونورديسك، مع التركيز على نقاء المستخلص لضمان فعالية العلاج وسلامته. بين 1924 و1955، حدد العلماء التركيب الجزيئي للإنسولين وسلسلة الأحماض الأمينية، ما مهد الطريق لتحسينه وإنتاجه بكفاءة أعلى.

الإنسولين البشري والتكنولوجيا الحيوية

في الثمانينيات، ساعدت الهندسة الوراثية على إنتاج الإنسولين البشري باستخدام البكتيريا، وحقق دواء “هومولين” نسبة نقاء 98%، مما قلل مخاطر الحساسية المرتبطة بالإنسولين الحيواني.

بعد ذلك، بدأ تطوير نظائر الإنسولين، وهي أشكال معدلة من البروتين لتحسين الأداء والتحكم في مستويات السكر. تشمل هذه التعديلات إبطاء أو تسريع امتصاص الإنسولين، مثل ليسبرو وأسبارت للجرعات السريعة، وديجلوديك وغلارجين للجرعات الطويلة.

إدارة السكري الحديثة

اليوم، يُنتج الإنسولين بأشكال متعددة لتلبية احتياجات المرضى. التركيبات السريعة تعمل بسرعة بعد الوجبات، بينما التركيبات الطويلة المفعول تحافظ على مستويات ثابتة طوال اليوم. ويواصل الباحثون تطوير تقنيات جديدة مثل الإبر الدقيقة لتسهيل الجرعات وتحسين التحكم في مستويات الجلوكوز.

من حقنة ليونارد طومسون الأولى إلى الإنسولين البشري والهندسي الحديث، يمثل تطور الإنسولين قصة نجاح مذهلة في الطب، أنقذت ملايين الأرواح واستمرت في تحسين حياة مرضى السكري حول العالم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى