رأي آخر

بين العاطفة والواقعية: كيف نقرأ العلاقة مع إيران؟

ليس من السهل على العربي المسلم أن يقف موقفًا متوازنًا من إيران.
فالعاطفة تنحاز لكل من يرفع شعار مواجهة إسرائيل، والوجدان يتجاوب مع خطاب مقاومة الهيمنة الغربية. لكن العقل يسأل في المقابل: هل كل مواجهة تخدم بالضرورة مصالح الدول العربية؟ وهل يمكن الفصل بين دعم المقاومة وبين إدارة النفوذ الإقليمي؟

حمادي سيدي محمد آباتي

منذ الثورة الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران خطابًا سياسيًا مناهضًا للهيمنة الغربية، وجعلت القضية الفلسطينية محورًا ثابتًا في سياستها الخارجية. وقد ارتبط اسمها بدعم قوى مقاومة في لبنان، وفي مقدمتها حزب الله، الذي لعب دورًا بارزًا في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 2000، وخاض مواجهة عسكرية واسعة مع الجيش الإسرائيلي عام 2006.

هذه الوقائع لا يمكن تجاهلها عند تقييم موقع إيران في معادلة الصراع الإقليمي، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتواصل الاعتداءات على الشعب الفلسطيني.

غير أن الاعتراف بهذا الدور لا يمنع طرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الحضور الإيراني في بعض الساحات العربية، ومدى تأثيره على سيادة الدول واستقرارها الداخلي. فالإشكال لا يُختزل في الخلاف المذهبي كما يُروَّج أحيانًا، بل يتصل بتوازنات القوة ومفهوم الدولة الوطنية وحدود المجال الحيوي.

وهنا تبرز المفارقة في هذا السياق:
الصراع مع إسرائيل يُنظر إليه في الوعي العربي بوصفه صراعًا وجوديًا ممتدًا يرتبط بالأرض والهوية والسيادة، بينما يفترض في الخلاف بين الدول الإسلامية — مهما اشتد — أن يظل ضمن الإطار السياسي القابل لإعادة الضبط. فالحرب قد تقع بين الأشقاء، لكنها تظل قابلة للتسوية، أما العداء القائم على نفي الآخر وجوديًا فهو من طبيعة مختلفة.

من هذه الزاوية، يمكن التمييز بين مستويين في قراءة العلاقة مع إيران:

الأول: موقفها من إسرائيل ودعمها لقوى المقاومة، وهو موقف يجد صدىً إيجابيًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي.
الثاني: إدارتها لنفوذها الإقليمي، وهو مجال يثير نقاشًا مشروعًا حول حدود الدور وحدود المصلحة.

إن الدفاع عن إيران في بعدها المقاوم لا يستلزم تبنّي كل سياساتها، كما أن نقد بعض ممارساتها لا يعني الاصطفاف ضدها. فالموقف المتزن هو الذي يفرّق بين دعم قضية عادلة وبين التسليم المطلق بخيارات سياسية قابلة للنقاش.

ليست المسألة إذن “مع أو ضد”، بل كيف نصوغ موقفًا يحفظ بوصلتنا نحو فلسطين، ويصون في الوقت ذاته تماسك الدول العربية واستقلال قرارها.
ذلك أن قوة أي محور لا تُقاس فقط بقدرته على الردع، بل أيضًا بقدرته على احترام التوازنات الداخلية وعدم تحويل ساحات الآخرين إلى امتدادات لصراعاته الخاصة.

في النهاية، يظل الواجب الأخلاقي والسياسي هو نصرة الحق حيث كان، ومساءلة القوة حيث تجاوزت حدودها، أياً كان مصدرها. فالمواقف الرشيدة لا تُبنى على الانفعال، بل على إدراك معقد لواقع إقليمي تتشابك فيه المصالح والهويات

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى