ثقافة

بلاغة الدولة واختبار المعيش اليومي

لا يمكن إنكار أن خطاب الوزير الأول السيد المختار اجاي أمام البرلمان كان خطابًا متماسكًا في بنائه، واضحًا في رسائله، وهادئًا في أدائه. خطاب أعاد للكلمة السياسية شيئًا من وزنها، وقدم رؤية تعكس إلمامًا بالملفات وإحساسًا بالمسؤولية الوطنية، وهو ما يستحق التقدير.

غير أن التجربة السياسية في بلادنا تجعلنا، بحكم التراكم، أكثر ميلًا إلى التمييز بين جودة الخطاب ونتائجه العملية. فنحن مجتمع يتمتع بذائقة أدبية عالية، ويُقال عنه إنه بلاد المليون شاعر والمليوني خطيب، وقد ألف عبر السنين خطابات محكمة الصياغة وبرامج حكومية جذابة، تُحسن تشخيص الأزمات وتبرع في رسم الآفاق، لكنها كثيرًا ما تتوقف عند حدود التصور ولا تبلغ مستوى التجسيد.

الإشكال، كما أثبتت تجارب الحكومات المتعاقبة، لم يكن في نقص الرؤية ولا في ضعف النوايا، بل في الفجوة المستمرة بين ما يُعلن من برامج وما يعيشه المواطن في يومياته. فما زالت المديونية قائمة، ولم يتحقق بعد التحول المنشود من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ولا تزال الضرائب تشكل ما يقارب خمسة وسبعين في المائة من الموازنة العامة، في سياق يفترض فيه أن تكون الدولة رافعة للإنتاج لا عبئًا عليه.

وعلى مستوى القطاعات الحيوية، لا يزال التعليم يعاني اختلالات عميقة، وتظل الخدمات الصحية دون التطلعات، فيما يرزح مستوى المعيشة تحت ضغط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. وهي معطيات تجعل المواطن أكثر حذرًا في التفاعل مع الوعود، مهما كانت جاذبيتها وصدق نوايا أصحابها.

من هنا، فإن الرهان الحقيقي لأي خطاب حكومي لا يكمن في بلاغته ولا في حسن أدائه، بل في قدرته على اجتياز اختبار المعيش اليومي، وتحويل الرؤى المعلنة إلى سياسات ملموسة وإصلاحات محسوسة، تُقاس آثارها في المدرسة والمستشفى والسوق، لا في نصوص الخطابات وحدها. فالدولة، في نهاية المطاف، تُقاس بقدرتها على تحسين حياة مواطنيها، لا بجمال ما يُقال باسمهم.

ومع ذلك، فإن هذا الخطاب، بما حمله من وضوح في الرؤية وصدق في النبرة، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق مختلفة إذا ما أُحسن البناء عليه بالفعل لا بالقول. فتوفر الإرادة السياسية، وتماسك الخطاب، ووضوح الأولويات، عناصر نادرة إذا ما اقترنت بآليات تنفيذ صارمة ومتابعة جادة، قادرة على تقليص الفجوة بين البلاغة والواقع.

إن المواطن، رغم خيباته المتراكمة، لا يزال مستعدًا لمنح الأمل فرصة جديدة، متى لمس أن ما يُقال تحت قبة البرلمان يجد طريقه إلى المدرسة والمستشفى وموائد الأسر. وحينها فقط، يمكن لبلاغة الدولة أن تتحول من خطاب يُحسن الوصف إلى سياسة تُحسن الفعل، ويصبح اختبار المعيش اليومي شاهدًا على بداية تحول حقيقي طال انتظاره.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى