اقتصاد

الموظف الموريتاني بين ضغط القروض البنكية وضعف الحماية القانونية


في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة وارتفاع تكاليف المعيشة، وجد آلاف الموظفين في موريتانيا أنفسهم أمام خيار شبه وحيد يتمثل في اللجوء إلى القروض البنكية لتغطية احتياجات أساسية، مثل السكن أو متطلبات الحياة اليومية. ورغم الجدل الفقهي القائم حول شرعية هذه القروض في السياق الإسلامي، فإن فتاوى متعددة أجازت اللجوء إليها عند الضرورة، ما جعلها واقعًا معاشًا لا يمكن تجاهله.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في شرعية القروض، بل في البيئة الاقتصادية والقانونية التي تحيط بها. إذ يعاني الموظف الموريتاني من ضعف مزمن في الرواتب، حيث لم تشهد الأجور مراجعات جوهرية منذ الاستقلال، رغم تضاعف الميزانية العامة للدولة وارتفاع الموارد الوطنية. وحتى الزيادات التي أُقرت في فترات متفرقة، جاءت في شكل علاوات ظرفية لا تنعكس على الراتب الأساسي، ما يجعلها عديمة الأثر بعد التقاعد.
هذا الواقع الهش دفع الموظفين، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والأمن، إلى الارتهان للبنوك، التي أصبحت تستقطع نسبًا مرتفعة من الرواتب، تتراوح بين 50% و80% في بعض الحالات. وهو ما يمثل، وفق متابعين، انتهاكًا واضحًا لمبدأ حماية الأجر، ويؤدي عمليًا إلى تقويض القدرة الشرائية للموظف وإدخاله في دوامة مديونية مزمنة.
ويبرز هنا دور السلطات الرقابية، خصوصًا البنك المركزي، الذي يُؤخذ عليه عدم تحديد سقوف واضحة لهوامش الربح أو نسب الاقتطاع، ما فتح المجال أمام تجاوزات من بعض البنوك الوسيطة. كما يُطرح تساؤل جوهري حول مدى التزام الدولة بتطبيق القوانين المنظمة لهذا القطاع، وحماية موظفيها من ممارسات قد ترقى إلى الاستغلال المالي.
وفي هذا السياق، بادر عدد من الموظفين إلى طلب استشارة قانونية شاملة، تناولت العلاقة التعاقدية بينهم وبين البنوك، وحددت الحقوق والواجبات وفقًا للتشريع الموريتاني، مع مقارنات بتجارب دول مماثلة في الإقليم. وقد وُجهت هذه الاستشارة إلى الوزارة الأولى، والبنك المركزي، ورئاسة البرلمان، باعتبارها الجهات المختصة.
ورغم مرور أكثر من أسبوعين على تقديم هذه الاستشارة، لم يصدر أي رد رسمي من الجهات المعنية، ما يثير تساؤلات حول جدية التعاطي مع هذا الملف الحساس، الذي يمس شريحة واسعة من الموظفين ويؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل تشريعي ورقابي حازم، قد يؤدي إلى تعميق الأزمة، ويضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى سياسات اقتصادية أكثر عدالة وإنصافًا.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى