رأي آخر

لماذا تتواصل جرائم اغتصاب النساء في موريتانيا؟-قراءة في الأسباب والحلول/ تماد إسلم أيديه

شهدت موريتانيا في السنوات الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في جرائم اغتصاب النساء، وهي جرائم لا يمكن فصلها عن سياق اجتماعي وقانوني وثقافي معقّد، تتداخل فيه هشاشة الردع، وبطء العدالة، وضعف الحماية، مع أنماط تفكير تُكبِّل الضحية قبل أن تطال الجاني. فالقضية لم تعد حوادث معزولة، بل ظاهرة تتطلب وقفة جادة تتجاوز ردود الفعل الموسمية إلى معالجة جذرية وشاملة.
أحد أبرز الإشكالات يتمثل في المسار القضائي ذاته، حيث تواجه الضحايا صعوبات كبيرة في الولوج إلى العدالة، تبدأ بالخوف من الوصم الاجتماعي، ولا تنتهي عند تعقيدات الإجراءات وطول أمد التقاضي. هذا الواقع يجعل كثيرًا من الضحايا يفضلن الصمت، لا لغياب الحق، بل لغياب الإحساس بالأمان والإنصاف. فالعدالة حين تصبح عبئًا نفسيًا واجتماعيًا، تفقد وظيفتها الردعية، ويتحول القانون من حماية للضعيف إلى اختبار قاسٍ لقدرته على الاحتمال.
وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال دور الخطاب المجتمعي الذي ما زال، في كثير من الحالات، يميل إلى مساءلة الضحية بدل محاسبة الجاني، سواء عبر التلميح أو التصريح. هذه الثقافة تُسهم في إعادة إنتاج الجريمة، لأنها تمنح المعتدي غطاءً غير مباشر، وتزرع الخوف والعار في نفوس الضحايا. إن كرامة المرأة ليست مسألة رأي عام متقلب، بل حق أصيل لا يقبل المساومة.
من جهة أخرى، يظل الإعلام لاعبًا محوريًا في تشكيل الوعي العام، إما أن يكون جزءًا من الحل أو عنصرًا في تعقيد الأزمة. فالتناول غير المهني، أو الساعي للإثارة، قد يُلحق أذى إضافيًا بالضحايا، بينما يمكن للإعلام المسؤول أن يفضح الجريمة دون انتهاك الخصوصية، وأن يسلط الضوء على مكامن الخلل بدل الاكتفاء بسرد الوقائع. المطلوب إعلام شجاع، ينحاز للحق، ويضع مصلحة المجتمع فوق حسابات المشاهدة والتفاعل.
أما على مستوى الوقاية، فإن التوعية والتثقيف يظلان حجر الزاوية في أي استراتيجية ناجعة. فإطلاق حملات مستمرة في المدارس والمساجد ووسائل الإعلام، من شأنه ترسيخ ثقافة تحترم الجسد والكرامة، وتعيد تعريف المسؤولية والمساءلة. كما أن إشراك الرجال والشباب في هذه الجهود، بوصفهم شركاء في الحماية لا متهمين جماعيًا، يُسهم في تفكيك الصور النمطية، وبناء وعي جماعي رافض للعنف بكل أشكاله.
إن استمرار هذه الجرائم ليس مجرد أرقام تُسجل في تقارير عابرة، بل نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات متعددة، أخطرها الصمت والتطبيع والتساهل. ومواجهة الظاهرة تتطلب إرادة حقيقية تُترجم إلى تشريعات رادعة، وعدالة ناجزة، وتطبيق منصف لأحكام الشرع، إلى جانب مجتمع يقف بوضوح إلى جانب الضحية، لا على مسافة منها.
فكسر دائرة العنف يبدأ بالاعتراف بحجم المشكلة، ويمر عبر إصلاح القوانين والعقليات، ولا يكتمل إلا حين يصبح الاعتداء على الأعراض جريمة لا تُبرر ولا تُخفف، وحين تتحول العدالة إلى ملاذ آمن للضحايا، لا مسارًا شاقًا ينجو في نهايته الجناة.

زر الذهاب إلى الأعلى