اقتصاد

المدفوعات الرقمية تقود تحولًا اقتصاديًا غير مسبوق في أفريقيا

تشهد القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة طفرة لافتة في مجال المدفوعات الرقمية، مدفوعة بالتوسع السريع في استخدام الهواتف الذكية، وانتشار شبكات الإنترنت، ودخول شركات عالمية وإقليمية بقوة إلى الأسواق المحلية، ما أسهم في تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الرقمي.

ولا يقتصر هذا التحول على المدن الكبرى فحسب، بل يمتد تدريجيًا إلى المجتمعات الريفية، في مؤشر واضح على تغير عميق في أنماط الاستهلاك والتجارة داخل القارة. وقد ترافق ذلك مع تزايد الاستثمارات في البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية، من خلال تطوير أنظمة الهوية الرقمية وتعزيز حلول الأمان المتقدمة، مثل التوكنيزايشن والبطاقات الافتراضية.

وفي هذا السياق، وسّعت شركات عالمية، من بينها ماستركارد، شبكات قبولها في أفريقيا بنسبة 45% خلال عام 2025، ما أتاح لملايين المستهلكين والشركات الصغيرة والمتوسطة الانخراط في الاقتصاد الرقمي، وحقق معدلات نمو كانت تحتاج سابقًا إلى سنوات طويلة.

الشركات الصغيرة والمتوسطة في صدارة التحول

شكّلت الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الأفريقي، المستفيد الأكبر من هذه الطفرة، إذ أدى ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي في أسواق رئيسية مثل نيجيريا وكينيا والمغرب إلى زيادة الطلب على أدوات الدفع الرقمي.

وأتاحت هذه الأدوات لتلك الشركات الحصول على الائتمان، وتلقي المدفوعات بسهولة، وممارسة أنشطتها التجارية بمرونة وأمان أكبر. كما أصبحت حلول الدفع عبر الهاتف المحمول، وأنظمة نقاط البيع، والدفع باستخدام رمز الاستجابة السريع (QR) جزءًا من الحياة اليومية للتجار والمستهلكين على حد سواء.

وبالتوازي مع ذلك، ظهرت مبادرات تستهدف المجتمعات الريفية والمهمشة، من خلال منصات رقمية تربط المزارعين بالخدمات المالية والتجارية. وأطلقت ماستركارد، على سبيل المثال، مبادرة “Community Pass” الهادفة إلى تسجيل 15 مليون مستخدم في أفريقيا خلال خمس سنوات، حيث استفاد منها بالفعل أكثر من مليون مزارع صغير في أوغندا، في خطوة تعكس توجهًا متزايدًا نحو شمول مالي أوسع.

تحديات ترافق مسار النمو

ورغم هذا الزخم، لا تزال القارة تواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف البنية التحتية للإنترنت في بعض المناطق، وارتفاع تكاليف الأجهزة الذكية، إضافة إلى الفجوة الرقمية بين الأجيال والمناطق الجغرافية المختلفة.

كما يثير الاعتماد المتزايد على الشركات العالمية تساؤلات حول السيادة الرقمية، وأهمية تطوير حلول محلية قادرة على تحقيق الاستدامة على المدى الطويل. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن حجم سوق المدفوعات الرقمية في أفريقيا قد يصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والتجارة القائمة على الوكلاء.

ويمثل هذا النمو فرصة تاريخية أمام القارة لإعادة تشكيل اقتصادها وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي، شريطة معالجة التحديات القائمة وضمان أن يكون التحول الرقمي شاملًا وعادلًا ومستدامًا.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى