الأخبار العالمية

الفاشر بين صمودٍ أسطوري ومجازر تهز الضمير الإنساني

تبدّلت ملامح رمال الفاشر. بقع حمراء فاقعة غطّت الأرض الساخنة، وأجساد متناثرة بين المنازل وحول المركبات العسكرية، ترسم صورة مرعبة لمدينة دفعت ثمن مقاومتها. المشهد نفسه ارتسم في محيط مستشفى الأطفال الذي تحول إلى مقر احتجاز، وعلى السواتر الترابية التي شيدتها قوات الدعم السريع أثناء حصارها للمدينة، في دلائل تشير إلى عمليات قتل جماعي واسعة النطاق.

لم تمضِ ساعات على سقوط الفاشر يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول حتى التقطت الأقمار الاصطناعية صورًا تكشف أهوال ما دار داخل المدينة، وفقًا لتقرير مختبر الشؤون الإنسانية بجامعة ييل. الفاشر، عاصمة دارفور وأرض السلاطين، لم تستسلم سريعًا؛ صمدت أكثر مما توقع الجميع. فرقة المشاة السادسة في الجيش السوداني، مدعومة بقوات من حركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية، صدّت نحو 270 هجومًا كثيفًا شاركت فيه مدرعات حديثة وطائرات مسيرة ومدفعية وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى مقاتلين من خارج البلاد.

على مدى عام ونصف عاش سكان المدينة حصارًا خانقًا، تناولوا خلاله أعلاف الحيوانات ثم جلودها مع نفاد الغذاء، بينما انهال عليهم القصف من كل جهة. انقطعت الفاشر عن العالم، حتى بدا الحديث عنها في وسائل الإعلام قليلًا وخافتًا مقارنة بحجم ما كانت تواجهه.

وبمجرد السقوط، انفجرت الفاشر في ساحات الإعلام ومحركات البحث. صور ومقاطع مصورة تُظهر فظائع وانتهاكات تثير الصدمة، وكأن العالم يحاول تدارك صمته السابق وهو يرى الدماء تروي آخر صفحات صمود المدينة.

تنوّعت مصادر الأدلة: صور الأقمار الاصطناعية، شهادات من نجا بأعجوبة ووصل إلى بلدة طويلة التي أصبحت مأوى لأكثر من 600 ألف نازح، ثم مقاطع فيديو التقطها الجناة أنفسهم ونشروها، بعضها لجنود يتباهون بالقتل. إحدى هذه الفيديوهات دفعت الخارجية الأميركية لمخاطبة قيادة الدعم السريع بعد انتشار مقاطع لقائد ميداني يتفاخر بقتل مئات الأشخاص.

المشهد داخل المستشفى السعودي في الفاشر كان صادمًا. جثث مرمية على الأرض، وجندي يطلق النار على رجل مسنّ. منظمة الصحة العالمية أعلنت صدمتها من تقارير تفيد بمقتل أكثر من 460 مريضًا ومرافقهم داخل المستشفى.

تُظهر المقاطع المتاحة مجرد جزء من صورة أكبر. تقديرات أولية تشير إلى آلاف الضحايا، بينما تشير تحليلات إلى أن العدد قد لا يُعرف بدقة قبل شهور وربما سنوات، كما حدث في مآسي دارفور الأولى والثانية وجنوب السودان.

تقارير جامعة ييل وصفت ما جرى بأنه قد يرتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع وجود مؤشرات “لتطهير عرقي ممنهج”. وشبّه باحثون حجم العنف بالساعات الأولى من الإبادة الجماعية في رواندا، مؤكدين أن مستوى الوحشية “غير مسبوق”.

أكثر من مليون شخص فرّوا من الفاشر منذ بداية الحرب، بينما يعلق أكثر من ربع مليون مدني — نصفهم أطفال — بلا مساعدة. خلال الأيام الأولى لسقوط المدينة، فرّ 36 ألفًا سيرًا على الأقدام، بينهم مصابون وجائعون، يحملون قصصًا عن الفقد والرعب.

منظمات طبية تحدثت عن أطفال يعانون سوء تغذية ونساء حوامل في وضع حرج ومصابين بوابل الرصاص والعنف.

جامعة ييل ختمت تقريرها بجملة تختزل المأساة:
“قد يقول العالم إنه لم يستطع منع ما حدث، لكنه لا يستطيع الادعاء أنه لم يكن يعرف.”

هذه العبارة تختزل وجهين متناقضين: بطولة الفاشر، وخذلان العالم لها.

تفاعلات محلية ودولية بعد السقوط

خرج قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مؤكدًا أن الانسحاب كان “ضروريًا” لحماية المدنيين وتقليل الخسائر، مع وعد بالعودة للانتصار والاقتصاص للضحايا. رئيس الوزراء كامل إدريس طالب بتدخل دولي، وقيادات من حركات دارفور المسلحة اعترفوا بوجود أخطاء وإخفاقات في حماية المدينة.

في المقابل، ظهر حميدتي بهدوء غير معتاد، مشيرًا إلى “تجاوزات” ووعد بتحقيق، بينما حاول تقديم نفسه كرجل دولة، متحدثًا عن “حماية وحدة السودان”.

أشد المواقف الأميركية جاء من الكونغرس، الذي دعا لتصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية أجنبية”، مؤكداً أن ما جرى “لم يكن عشوائيًا بل مخطط له منذ البداية”.

الجامعة العربية، مصر، قطر، السعودية ودول إفريقية أدانت الفظائع. الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أعربا عن قلق بالغ وحملا الدعم السريع مسؤولية ما جرى. بينما أعاد مجلس الأمن التذكير بقراراته التي لم تُنفذ.

جذور العنف ونهج “التوحش”

ما حدث في الفاشر ليس معزولًا. إنه امتداد لمسار تاريخي لقوات الدعم السريع منذ نشأتها كجنجويد. التوثيق منتشر، والانتهاكات تتكرر في مناطق متعددة من السودان. عمليات قتل، اغتصاب ونهب، هدفها تفريغ المناطق ودفع السكان للنزوح وشل قوة الجيش وإحكام السيطرة.

العنف هنا ليس فوضى، بل أداة متعمدة لبناء السيطرة وبث الرعب.

ترابط خارجي ودروس من تجارب أخرى

تقارير متعددة أشارت إلى ارتباطات وتعاون بين حميدتي وإسرائيل سابقًا، بما في ذلك صفقات تكنولوجية واتصالات خاصة قبل الحرب، ما يفتح الباب لنقاشات حول نماذج التأثير العسكري والأمني في السلوك الميداني.

الفاشر.. جرحٌ مفتوح وأسئلة ثقيلة

سقوط الفاشر ليس محطة عابرة في الحرب السودانية. هو حدث مفصلي يعيد رسم ملامح مستقبل السودان ويطرح تساؤلات كبرى حول المسار السياسي والأمني، ووحدة البلاد، وموقع المجتمع الدولي من مجازر تجري على مرأى العالم.

صمود المدينة سيظل رمزًا تاريخيًا، كما ستبقى صور الدماء شاهدًا على فشل العالم في حماية شعب ترك وحيدًا في مواجهة آلة حرب لا تعرف الرحمة.

وفي ظل مشهد لا تزال فصوله تتكشف، يبقى السؤال الأكبر:
هل سيقف العالم متفرجًا مرة أخرى حتى تكشف الحقائق بعد فوات الأوان؟

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى