العالم بين الردع والانزلاق: قراءة في واقع المواجهة ومآلاتها

يشهد النظام الدولي اليوم مرحلة انتقالية تتسم بسيولة القوة، واضطراب القواعد، وتراجع اليقين. لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان بعد الحرب الباردة، ولم تتبلور بعد صيغة مستقرة متعددة الأقطاب. التفاعلات الإقليمية والدولية الحالية تعكس هذا الفراغ النسبي في البنية التحتية للسلطة العالمية.
في هذا السياق، تتخذ المواجهة بين إيران والولايات المتحدة طابعًا يتجاوز حدود الصراع الإقليمي التقليدي، لتصبح اختبارًا لإدارة التنافس في بيئة دولية معقدة. كلا الطرفين يمتلك أدوات ضغط واستراتيجية مؤثرة، غير أن كليهما محدود القدرة أو الرغبة في خوض حرب مفتوحة.
إيران تعتمد استراتيجية ردع غير متكافئة، مستندة إلى شبكة نفوذ إقليمي وقدرات صاروخية، وخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات الاقتصادية. مع ذلك، فإن قدرتها على مواجهة مباشرة محدودة بسبب الهشاشة الاقتصادية وضغوط الاستقرار الداخلي.
من جهة أخرى، تتمتع الولايات المتحدة بتفوق عسكري حاسم، لكنها تواجه قيودًا مرتبطة بإرث التدخلات السابقة، وانقسامات سياسية داخلية، وأولويات استراتيجية تتجه نحو آسيا. أي نزاع واسع النطاق في الخليج سيؤدي إلى اضطراب في أسواق الطاقة، ويهدد قواعدها العسكرية، ويفتح جبهات صعبة الإدارة سياسيًا وعسكريًا.
الأنظمة العربية المجاورة تقع في موقع حساس. فهي غير مستعدة لخوض صراع مباشر، ولا تستطيع تبني حياد كامل، وتركز في المقام الأول على الحفاظ على الاستقرار الداخلي. هذا الواقع يدفعها إلى تبني سياسات إدارة التوتر، مع تشديد الإجراءات الأمنية والتموضع السياسي الاستراتيجي، لتفادي تداعيات الانخراط المباشر.
العامل الأساسي في تحديد مسار أي مواجهة هو جاهزية الشعوب لتحمل تبعات الصراع. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل أي نزاع إقليمي واسع محفوفًا بمخاطر داخلية قد تتجاوز آثار المواجهة المباشرة.
بناءً على ذلك، السيناريو المرجح هو استمرار حالة “حافة الهاوية المحسوبة”، يتم فيها التصعيد المحدود، وإطلاق رسائل ردع، وتنفيذ ضربات محددة، مع تراجع محسوب قبل الوصول إلى صدام شامل. الخطر الأبرز ليس في وجود نية مسبقة للحرب، بل في احتمال سوء التقدير أو وقوع حادث غير محسوب يفضي إلى مسار غير مخطط له.
الواقع الحالي ليس انهيارًا كاملًا للنظام الدولي، ولا سيطرة مطلقة لقوة واحدة، بل إعادة تشكيل تدريجي. ميزان القوة غالبًا ما يسبق القانون في أوقات التحولات الكبرى، رغم أن القانون الدولي لم يلغ، بل تراجع تأثيره نسبيًا أمام المنافسة بين القوى الكبرى.
مآلات المواجهة تتوزع على ثلاثة احتمالات رئيسية:
- استمرار الردع المتبادل مع توترات دورية دون اندلاع حرب شاملة.
- تصعيد محدود واسع النطاق يُدار بسرعة لاحتواء آثاره.
- انزلاق غير مقصود نتيجة خطأ في التقدير الاستراتيجي، وهو احتمال منخفض الرغبة لكنه الأعلى خطورة.
في ضوء هذه التحليلات، يمكن القول إن الحكمة الاستراتيجية تكمن في منع الانزلاق نحو نقطة اللاعودة، وضبط توازن القوى، وإدارة المخاطر بكفاءة. الحروب الكبرى لا تؤسس للاستقرار، بل تخلق فراغات استراتيجية أعنف من أسبابها، ما يجعل المرحلة الحالية اختبارًا لقدرة الفاعلين الدوليين على إدارة التنافس دون تحويله إلى دمار شامل.
حمادي سيدي محمد آباتي









