الرئاسة في موريتانيا: تحليل المراحل الرئاسية ومنطق التحول في الدولة

المختار ولد داداه: رئاسة التأسيس وبناء الكيان
مثّل عهد المختار ولد داداه لحظة التأسيس الصلب للدولة الموريتانية، حيث كانت الرئاسة آنذاك أداة لبناء الكيان قبل أن تكون سلطة حكم بالمعنى الحديث. انشغل النظام بتكريس السيادة، وانتزاع الاعتراف الدولي، وصياغة هوية سياسية جامعة في مجتمع متعدد البُنى والولاءات.
اقتصادياً، ظل النموذج ريعيّاً هشّاً، مرتبطاً بالموارد المحدودة وبالمساعدات الخارجية، دون قدرة على بناء اقتصاد وطني منتج. أما الحريات، فقد خضعت لمنطق “أولوية الدولة”، فتم تقييد العمل السياسي والإعلامي باعتباره تهديداً للاستقرار الوليد.
على الصعيد الدولي، انتهجت موريتانيا سياسة توازن حذر بين المحاور، لكنها افتقرت لأدوات التأثير، وظلت في موقع التابع أكثر من الشريك.
مرحلة المجالس العسكرية: الرئاسة بوصفها سلطة أمر واقع
مع سقوط النظام المدني، دخلت موريتانيا مرحلة حكم عسكري مباشر، تحولت فيها الرئاسة إلى امتداد لسلطة المؤسسة العسكرية. تميّزت هذه المرحلة بتعدد الانقلابات وتغيّر مراكز القرار، ما جعل الدولة تعيش حالة عدم يقين مزمنة.
سياسياً، غُيّب الفعل المدني، وتقلص المجال العام، وأُعيد تعريف الشرعية باعتبارها قدرة على السيطرة لا تمثيل الإرادة الشعبية. اقتصادياً، ازدادت الهشاشة، وتراكمت الاختلالات البنيوية، خصوصاً مع توظيف الموارد لخدمة الاستقرار الأمني لا التنمية.
أما العلاقات الدولية، فقد اتسمت بالارتباك، وتذبذب المواقف، ما أفقد موريتانيا ثقة الشركاء الخارجيين.
معاوية ولد سيد أحمد الطايع: الاستقرار السلطوي وإعادة هندسة الدولة
جاء عهد ولد الطايع ليكسر دوامة الانقلابات، ويؤسس لنموذج استقرار سلطوي طويل الأمد. أعاد بناء الإدارة، وفرض مركزية قوية للرئاسة، وربط الدولة بشبكات ولاء سياسية واقتصادية.
اقتصادياً، شهدت البلاد تحسناً نسبياً في المؤشرات العامة، وانفتاحاً على المؤسسات المالية الدولية، غير أن ذلك ترافق مع توسع الريع، وغياب العدالة الاجتماعية. أما الحريات، فظلت محكومة بمنطق الانفتاح المحسوب، حيث سُمح بالتعددية دون السماح بتغيير حقيقي في موازين السلطة.
خارجياً، أعاد النظام تموضع موريتانيا في الخارطة الدولية، لكن ذلك تم أحياناً على حساب التوافق الداخلي، ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
أعلي ولد محمد فال: الرئاسة الانتقالية ولحظة الأمل الديمقراطي
مثّلت هذه المرحلة استثناءً في التاريخ السياسي الموريتاني. فقد جاءت الرئاسة هنا كوظيفة انتقالية لا مشروع حكم دائم. اتسم العهد بانفراج غير مسبوق في الحريات، وحياد نسبي للمؤسسة العسكرية، وتنظيم انتخابات تعددية.
غير أن هذه التجربة، رغم رمزيتها، لم تُستثمر في إعادة هيكلة الدولة العميقة، بل اكتفت بتغيير الواجهة السياسية، تاركة مراكز القوة على حالها.
سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله: الرئاسة المدنية الهشة
جسّد هذا العهد أول محاولة فعلية لحكم مدني منتخب، لكنه كشف سريعاً هشاشة الانتقال الديمقراطي. فقد اصطدمت الرئاسة بمؤسسة عسكرية لم تُحسم علاقتها بالسلطة، وبنخبة سياسية لم تتصالح مع قواعد التداول.
اقتصادياً، لم ينجح النظام في فرض رؤية مستقلة، وظل القرار الاقتصادي رهينة التوازنات السياسية. أما الحقوق والحريات، فشهدت توسعاً نظرياً دون حماية مؤسسية.
انتهت التجربة بانقلاب، أكد أن الأزمة بنيوية لا شخصية.
محمد ولد عبد العزيز: الرئاسة الأمنية والدولة الصلبة
عاد منطق القوة بقوة في عهد ولد عبد العزيز، حيث أعيد تعريف الرئاسة كضامن للأمن والاستقرار. حققت الدولة نجاحات ملموسة في تحييد التهديدات الأمنية، وتعزيز حضورها الإقليمي في محيط الساحل.
اقتصادياً، أُطلقت مشاريع كبرى، لكن إدارة الموارد شابها كثير من الجدل، وتراجعت الثقة في مسارات مكافحة الفساد رغم الخطاب الصارم. سياسياً، ضُيّق المجال العام، وتصاعد التوتر مع المعارضة.
محمد ولد الشيخ الغزواني: رئاسة التهدئة وإدارة التوازنات
يمثل عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مرحلة مختلفة في الشكل والخطاب. فقد سعى منذ البداية إلى تخفيف الاحتقان السياسي، وفتح قنوات الحوار، وتقديم نفسه كـ«رئيس توافقي» أكثر منه رجل صدام.
سياسياً، اتسم العهد بتهدئة العلاقة مع المعارضة، وتراجع منسوب المواجهة المباشرة، دون إحداث قطيعة جذرية مع بنية النظام السابق. أما الحريات، فقد شهدت تحسناً نسبياً في المناخ العام، وإن ظل الإطار القانوني محافظاً.
اقتصادياً، ركّزت الرئاسة على البعد الاجتماعي، وتوسيع شبكات الدعم، وتحسين صورة الدولة لدى الشركاء الدوليين، مع استمرار التحديات البنيوية المتعلقة بالبطالة، والتنويع الاقتصادي.
دولياً، نجح النظام في تعزيز الثقة الخارجية، وتقديم موريتانيا كفاعل مستقر في منطقة مضطربة، مستفيداً من خطاب الاعتدال والانضباط المؤسساتي.
خلاصة تحليلية
تكشف المراحل الرئاسية المتعاقبة أن الرئاسة في موريتانيا لم تتطور خطياً، بل oscillated بين منطق القوة ومنطق التمثيل. كل رئيس عبّر عن لحظة سياسية معينة، لكن غياب إصلاح بنيوي عميق جعل التجربة تدور في حلقة مغلقة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في شخصية الرئيس، بل في تحويل الرئاسة من مركز سلطة فوق المؤسسات، إلى وظيفة دستورية داخل نظام متوازن، حيث تُدار السياسة بالشرعية، لا بالقوة، ويُدار الاقتصاد بالتنمية، لا بالريع.
رئيس التحرير









