ثقافة

الدبلوماسية الموريتانية.. رؤية الرئيس الغزواني ومسؤولية الجميع في خدمة الوطن

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


.
لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مجرد تمثيل رسمي للدول أو إدارة للعلاقات بين الحكومات، بل أصبحت أداة استراتيجية لحماية المصالح الوطنية، وتعزيز مكانة الدول، وفتح آفاق التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي. وفي ظل عالم تتشابك فيه المصالح وتتسارع فيه التحولات، تبرز أهمية الدبلوماسية الموريتانية بوصفها رافعة أساسية لخدمة الوطن والدفاع عن مصالحه، وتعزيز حضوره الإقليمي والدولي.
وقد عبّر فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، عن هذا التوجه بوضوح في خطابه عند تسلمه السلطة سنة 2019، حين أكد ضرورة بناء «دبلوماسية قوية تحقق التوافق مع المحيط الخارجي وتقدم البلد للعالم بأبهى صوره».
وهو تصور يضع الدبلوماسية في صميم المشروع
الوطني، باعتبارها وسيلة لتحقيق المصالح العليا للبلاد، لا مجرد ممارسة بروتوكولية.
الدبلوماسية.. من التمثيل إلى صناعة المصالح
إن فهم الدبلوماسية الحديثة يقتضي إدراك أنها ليست مسؤولية وزارة الشؤون الخارجية وحدها، رغم دورها المحوري، وإنما هي منظومة متكاملة تتطلب التنسيق بين مؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين، والاستثمار في العلاقات الدولية بما يعود بالنفع على البلاد والمواطنين.
وتملك موريتانيا مقومات مهمة تؤهلها للاضطلاع بدور فاعل في محيطها العربي والإفريقي والدولي، انطلاقا من موقعها الجغرافي، وعمقها الحضاري، وروابطها التاريخية والثقافية، وقدرتها على بناء جسور التواصل بين الشعوب.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الغزواني في خطابه بمناسبة تنصيبه أن توجه الدبلوماسية الموريتانية ينبغي أن يكون قائما على احترام الثوابت وتوجيه العلاقات الخارجية بمصلحة البلد، والاستفادة من الانتماء العربي الإفريقي لموريتانيا وموقعها بوصفها جسرا للتواصل.
وربط ذلك بالتعريف بإمكانات البلاد وجذب المستثمرين وتعزيز قدراتها الاقتصادية.

وهذا يعني أن نجاح الدبلوماسية لا يقاس بعدد الزيارات الرسم
أو الاتفاقيات الموقعة فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل العلاقات إلى فرص استثمارية، وشراكات منتجة، وتبادل علمي وثقافي، وفرص عمل، ومكاسب ملموسة للاقتصاد الوطني.
المواطن الموريتاني في الخارج.. سفير لوطنه
لا يقتصر التمثيل الوطني على السفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية؛ فكل موريتاني يعيش خارج البلاد أو يدرس أو يعمل أو يمارس نشاطا تجاريا في دولة أخرى، يسهم، بوعي منه أو من دونه، في تشكيل صورة موريتانيا لدى المجتمعات التي يعيش بينها.
فالسلوك المسؤول، واحترام القوانين، والالتزام بالقيم الإنسانية، والنجاح في الدراسة والعمل، والإسهام الإيجابي في المجتمع، كلها ممارسات تعزز صورة المواطن الموريتاني وتمنح وطنه رصيدا من الثقة والاحترام.
ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز ثقافة المواطنة المسؤولة لدى الجاليات، وتشجيعها على بناء علاقات إيجابية مع المجتمعات المضيفة، والاستفادة من خبراتها وشبكاتها المهنية في خدمة التنمية الوطنية، دون أن يعني ذلك تحميل الأفراد مسؤولية أخطاء غيرهم.
البعثات الدبلوماسية.. واجهة الدولة ونافذتها إلى العالم
إذا كان كل مواطن سفيرا لوطنه بسلوكه، فإن السفراء والدبلوماسيين وأعضاء البعثات يتحملون مسؤولية مضاعفة بحكم مواقعهم الرسمية.
فالمطلوب منهم يتجاوز أداء المهام البروتوكولية إلى المبادرة ببناء علاقات جديدة مع المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، والتعريف بالفرص الاستثمارية في موريتانيا، ومتابعة مصالح المواطنين، وتطوير التعاون الذي يخدم الأولويات الوطنية.
كما أن حسن استقبال المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وتقديم الخدمات القنصلية بكفاءة واحترام، ومساعدتهم في حدود الاختصاصات والإمكانات المتاحة، تمثل جوانب أساسية من العمل الدبلوماسي.
وتتأكد أهمية هذه المسؤولية في ضوء ما شدد عليه الرئيس الغزواني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2024، حين أكد أن «التعاون بين الدول لا يكون مثمرا وفعالا إلا بقدر ما يكون قائما على الصداقة والثقة والاحترام المتبادل»
.
فالثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل بالمصداقية والوفاء بالالتزامات، وحسن إدارة العلاقات، والقدرة على تقديم صورة واقعية ومشرفة عن البلد، والدفاع عن مصالحه بوعي واحترافية.
من الرؤية إلى الإنجاز
إن تطوير الدبلوماسية الموريتانية يتطلب الاستثمار في تأهيل الكفاءات، وتحديث أساليب العمل، وتعزيز التنسيق بين السفارات والقطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين، والاستفادة من خبرات الموريتانيين في الخارج. كما يقتضي ربط الأداء الدبلوماسي بأهداف واضحة، تشمل توسيع الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات القنصلية، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب والكفاءات الوطنية.
وفي المحصلة، فإن الدبلوماسية الناجحة هي التي تجعل العلاقات الدولية رصيدا للتنمية، والحضور الخارجي فرصة لخدمة المواطنين، والانتماء الوطني مسؤولية تتجسد في السلوك والإنجاز.
إن رؤية الرئيس الغزواني لدبلوماسية فاعلة، تحترم الثوابت وتستند إلى المصلحة الوطنية، تضع أمام الجميع مسؤولية تحويل هذا التوجه إلى ممارسة يومية ونتائج ملموسة.
فموريتانيا لا تحتاج إلى علاقات واسعة فحسب، بل إلى علاقات مثمرة؛ ولا تحتاج إلى حضور رمزي فقط، بل إلى حضور مؤثر. وذلك لن يتحقق إلا بتكامل جهود الدولة وبعثاتها ومواطنيها في الداخل والخارج، حتى تظل صورة الوطن مشرفة، وتعود ثمار الدبلوماسية على الدولة والمواطن معا.

بالقلم المنسق الوطني لأصدقاء الرئيس غزواني

جلو أمدو كورل

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى