الأخبار العالمية

الخطوط الحمراء المصرية في السودان: تحذيرات حاسمة وخيارات رد متعددة

كشف خبراء أمنيون وباحثون إستراتيجيون عن محددات الموقف المصري تجاه تطورات الأوضاع في السودان، مؤكدين أن القاهرة وضعت جملة من الخطوط الحمراء تتصدرها حماية وحدة السودان ورفض أي مخطط لتقسيمه أو إنشاء كيانات موازية، إلى جانب الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وفي مقدمتها الجيش الوطني، ومنع انهيار الدولة بما قد يهدد الأمن القومي المصري، خاصة في شقه المائي، أو يؤدي إلى موجات نزوح واسعة وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة.

وجاءت هذه التقديرات عقب تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الذي شدد على أن لبلاده خطوطا حمراء واضحة في الملف السوداني، مؤكدا أن تجاوزها سيقابل برد حاسم وصارم. ورفض الوزير أي سيناريو لتقسيم السودان أو مساواة الجيش السوداني بقوات مسلحة غير شرعية، داعيا إلى سحب المرتزقة ووقف دعم المليشيات ومنع تدفق السلاح إلى الداخل السوداني.

ويرى الخبراء أن هذه الرسائل موجهة إلى أطراف متعددة، في مقدمتها قوات الدعم السريع والداعمون الإقليميون والدوليون لها، سواء عبر الدعم المالي والعسكري أو من خلال تسهيل عبور المرتزقة والأسلحة، إضافة إلى توجيه إشارات واضحة للرباعية الدولية بشأن محددات الموقف المصري ومخاوفه الأمنية.

وكان السودان قد دخل في دوامة الحرب منذ 15 أبريل/نيسان 2023 إثر اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على خلفية خلافات حول دمج الأخيرة في القوات المسلحة. وامتدت المعارك من العاصمة الخرطوم إلى أقاليم عدة، وشهدت البلاد تحولات ميدانية كبيرة، قبل أن يعلن الجيش في مارس/آذار 2025 استعادة السيطرة على الخرطوم ومقار سيادية مهمة، وسط استمرار تداعيات إنسانية خطيرة.

أبعاد الخطوط الحمراء المصرية

بحسب خبراء من بينهم اللواء محمد عبد الواحد، واللواء سمير فرج، وعمرو هشام ربيع، فإن الخطوط الحمراء المصرية تتجسد في عدة مرتكزات رئيسية:

أولا: الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض أي محاولات لإنشاء كيانات منفصلة، خاصة في دارفور، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي المصري.

ثانيا: صون مؤسسات الدولة السودانية من الانهيار، وعلى رأسها الجيش الوطني، باعتباره الضامن لوحدة الدولة واستقرارها، إذ إن تفكك الجيوش عادة ما يقود إلى فوضى شاملة.

ثالثا: رفض أي معادلة تساوي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أو غيرها من المليشيات المسلحة، وعدم القبول بوجود سلطتين متوازيتين داخل الدولة الواحدة.

رابعا: التصدي للتدخلات الخارجية ومنع قيام تحالفات تستهدف إعادة تشكيل السودان وفق مصالح إقليمية أو دولية، مع التشديد على سحب المرتزقة ووقف الدعم العسكري للمليشيات.

خامسا: حماية الأمن المائي المصري، ومنع أي سيناريو قد يؤثر على تدفق مياه النيل الأزرق، خاصة في ظل محاولات للسيطرة على مناطق استراتيجية قريبة من الحدود الإثيوبية.

سادسا: الحيلولة دون تفاقم الكارثة الإنسانية بما يؤدي إلى تدفقات لجوء واسعة نحو مصر أو إلى انتشار الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة.

من الوساطة الحذرة إلى الردع الوقائي

شهد الموقف المصري، وفق تقديرات الخبراء، تحولا تدريجيا من دور الوسيط الحذر إلى إطلاق تحذيرات مباشرة وصريحة، في ضوء تطورات ميدانية اعتُبرت مؤشرا على خطر تقسيم فعلي للسودان على أساس مناطق النفوذ والموارد.

ويرى اللواء محمد عبد الواحد أن وتيرة التصريحات المصرية تصاعدت منذ أواخر العام الماضي، تزامنا مع تطورات عسكرية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وما يرتبط بها من محاولات لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية، بما قد ينعكس على الأمن القومي المصري.

ويؤكد أن القاهرة باتت تتبنى إستراتيجية ردع وقائي تستهدف منع سيناريو الانهيار الكامل للدولة السودانية، مشيرا إلى أهمية التنسيق مع أطراف دولية وإقليمية فاعلة لضبط توازنات الصراع.

الرسائل المصرية والجهات المخاطبة

تتجه الرسائل المصرية إلى طيف واسع من الفاعلين في الأزمة السودانية. فإلى جانب مخاطبة قوات الدعم السريع بشكل مباشر، تتضمن إشارات واضحة إلى الجهات الداعمة لها، سواء عبر التمويل أو التسليح أو توفير ممرات لوجستية.

كما تحمل الرسائل أبعادا سياسية موجهة إلى الأطراف الدولية المعنية بالأزمة، لإبراز محددات الموقف المصري والتأكيد على دعم الحكومة السودانية والجيش الوطني، مع التأكيد على أن الهدف هو الردع والوقاية لا إعلان حرب.

خيارات الرد المصري بين الدبلوماسية والعسكرية

يؤكد الخبراء أن أدوات الرد المصري تتدرج بين المسارات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، ضمن إطار قانوني يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات الدفاع المشترك.

فعلى الصعيد الدبلوماسي، يتم التحرك عبر الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، مع توجيه رسائل رسمية إلى الأطراف المعنية إقليميا ودوليا.

أما على المستوى العسكري، فتتراوح الخيارات بين دعم مباشر للحكومة السودانية، وتقديم دعم لوجستي وتسليحي وتدريبي، وصولا إلى توجيه ضربات محددة لأهداف عسكرية في حال تجاوز الخطوط الحمراء، مع ترجيح استخدام تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيرة في أي سيناريو تصعيدي محتمل.

وفي المقابل، يحذر بعض الخبراء من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع أو استنزاف طويل الأمد، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية داخل الساحة السودانية.

ومع اقتراب الحرب في السودان من إكمال عامها الثالث، تتفاقم الكارثة الإنسانية مع نزوح الملايين وانتشار الجوع والأمراض، بينما يبدو أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل بات صراعا على الموارد الحيوية من الذهب في دارفور إلى النفط في كردفان وممرات المياه في النيل الأزرق، في مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية والدولية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى