اقتصاد

الحرب على إيران تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وترفع كلفة الطاقة والتجارة

مع اتساع رقعة الحرب على إيران، لم تعد تداعياتها مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت بسرعة إلى الاقتصاد العالمي، حيث بدأت أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية تشهد تأثيرات ملموسة، ما يعكس تحوّل الحروب الحديثة إلى عامل رئيسي في إعادة رسم خريطة الأرباح والخسائر على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، لم يعد التساؤل الأبرز يدور حول الطرف المنتصر عسكريًا، بقدر ما يتركز على الجهات التي تتحمل الكلفة الاقتصادية للحرب، وتلك التي تحقق مكاسب غير مباشرة، إذ يوازي كل تصعيد عسكري صراع اقتصادي في قطاعات الطاقة والنقل والصناعات الدفاعية.

وتوضح التقديرات الأولية أن التأثير الاقتصادي يرتبط بشكل وثيق بالممرات البحرية الحيوية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، حيث دفعت التوترات شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها وتجنب هذه الممرات، مفضلة طرقًا أطول عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل.

تداعيات تمتد إلى أفريقيا وسلاسل الإمداد العالمية

لم تقتصر آثار الأزمة على الدول القريبة من الصراع، بل امتدت إلى اقتصادات بعيدة، خاصة في أفريقيا التي تعتمد على مطارات الشرق الأوسط كنقطة عبور رئيسية نحو أوروبا. وقد أدى اضطراب الأجواء في المنطقة إلى تعقيد حركة الشحن الجوي، مما انعكس سلبًا على صادرات المنتجات الزراعية ورفع تكاليف النقل.

ورغم أن بعض الدول الأفريقية المنتجة للنفط قد تستفيد من ارتفاع الأسعار على المدى المتوسط، فإن الخسائر المباشرة المرتبطة بتعطل النقل والتجارة تبدو أكثر تأثيرًا في المدى القريب.

أهمية مضيق هرمز في قلب الأزمة

تكمن خطورة التصعيد في مضيق هرمز في دوره المحوري في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، وقرابة 25% من النفط المنقول بحرًا، إضافة إلى نحو 30% من تجارة الأسمدة و60% من صادرات الكبريت عالميًا، ما يجعله نقطة اختناق حيوية لأي اضطراب في الإمدادات.

الدول الأكثر تأثرًا والمستفيدون من الأزمة

تُعد اقتصادات صناعية كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند من بين الأكثر تضررًا، نظرًا لاعتمادها الكبير على نفط الشرق الأوسط. وقد دفعت هذه الظروف الهند إلى زيادة وارداتها من النفط الروسي لتعويض النقص، وهو ما منح موسكو فرصة لتعزيز حضورها في سوق الطاقة العالمية.

وفي تحليل أوسع، يرى خبراء أن الحرب رسخت ما يُعرف بـ”استراتيجية رفع الكلفة”، حيث تسعى الأطراف المتصارعة إلى نقل العبء الاقتصادي إلى خصومها وإلى الاقتصاد العالمي ككل، ما يجعل حسابات الربح والخسارة أكثر تعقيدًا.

وفي هذا الإطار، برزت روسيا كأحد أبرز المستفيدين عبر تعزيز صادراتها النفطية، مستفيدة من استثناءات سمحت لبعض الدول بمواصلة الشراء، فيما واصلت الصين استيراد النفط الإيراني، مستغلة عزوف الأسواق الأخرى.

في المقابل، تواجه الاقتصادات الأوروبية ضغوطًا متزايدة نتيجة اضطراب أسواق الطاقة، ما دفع دولًا مثل ألمانيا وفرنسا إلى تكثيف الدعوات لوقف التصعيد تجنبًا لموجات تضخم أوسع.

تصاعد المخاطر في الملاحة البحرية

يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية، إذ يبلغ عرضه نحو 80 كيلومترًا، بينما لا تتجاوز ممرات الملاحة الفعلية 10 كيلومترات لكل اتجاه، ما يجعله عرضة لأي اضطراب أمني.

وقد أدى استهداف بعض السفن في المنطقة إلى تعطيل جزئي لحركة الملاحة، وسط مخاوف من ألغام بحرية، رغم استمرار عبور بعض الناقلات بعد تنسيق أمني، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الملاحي في المنطقة.

تكاليف اقتصادية باهظة للحرب

اقتصاديًا، لم يقتصر تأثير التصعيد على قطاع الطاقة، بل امتد إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتعطل التجارة العالمية. وتشير التقديرات إلى أن كلفة الحرب قد تتراوح بين 40 و100 مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة إذا استمر الصراع، فيما بلغت كلفة الأسبوع الأول نحو 11.3 مليار دولار، مع توقعات بتمويل إضافي كبير.

أما في إسرائيل، فتُقدّر الخسائر الاقتصادية بنحو 3 مليارات دولار أسبوعيًا نتيجة تعطل الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب الحاجة إلى دعم إضافي للموازنة.

مكاسب لقطاعات الطاقة والصناعات العسكرية

في مقابل هذه الخسائر، حققت بعض القطاعات مكاسب واضحة، حيث سجلت أسهم شركات الصناعات الدفاعية والطاقة ارتفاعات ملحوظة، مدفوعة بزيادة الطلب على الأسلحة وارتفاع أسعار النفط.

كما عززت شركات النفط، خصوصًا في الولايات المتحدة، مكاسبها في ظل ارتفاع الأسعار، في حين استفادت شركات النفط الصخري بشكل أكبر من هذه التطورات.

من يتحمل الكلفة النهائية؟

تشير التحليلات إلى أن تمويل الحرب يعتمد بشكل رئيسي على الموازنات الحكومية التي يقرها الكونغرس الأمريكي، ما يعني زيادة مستويات الدين العام.

وفي النهاية، يتحمل المواطنون العبء الأكبر لهذه التكاليف، سواء من خلال ارتفاع الضرائب غير المباشرة، أو عبر التضخم وارتفاع أسعار الوقود، ما يجعل التأثير الحقيقي للحرب يمتد إلى الحياة اليومية للمستهلكين حول العالم.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى