تكنولوجيا

الثقة الصفرية: حين تتحول الفضيلة إلى ثغرة

ماذا لو كانت أنبل فضائلنا هي نفسها أكثر نقاطنا هشاشة؟ في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمة نقية لا يطالها الشك، لكن الواقع المعاصر، خصوصا في زمن الفضاء السيبراني والتحولات الرقمية، كشف وجها آخر لها: الثقة حين تُمنح بلا ضوابط قد تتحول إلى منفذ اختراق.

في عالم التقنية لا تُعامل الثقة كفضيلة، بل كمتغير خطر. ومن هنا برز مبدأ “الثقة الصفرية” (Zero Trust)، الذي يقوم على قاعدة صارمة: لا تمنح الثقة مسبقا… تحقق دائما. هذا النموذج لا يكتفي بحماية الأنظمة، بل يقدّم استعارة عميقة لفهم علاقاتنا الإنسانية في زمن الواجهات المصقولة والانطباعات السريعة.

التحقق المستمر لا يعني الارتياب

النظام الرقمي لا يكافئ حسن النية، لأنه يعرف أن التهديد لا يأتي دائما بوجه عدائي واضح. قد ينتحل العدو هوية الصديق، وقد يتحول الداخل ذاته إلى خطر إن تبدلت نواياه. لذلك لا تُبنى الثقة في المنظومات الحديثة على قبول أولي يعقبه استرخاء دائم، بل على تحقق مستمر: هوية تُثبت، وصلاحيات تُمنح بقدر الحاجة، ووصول يُراجع باستمرار.

هذه الصرامة لا تعني الشك المرضي، بل إدارة واعية للمخاطر. فالخطأ في الثقة الرقمية قد يؤدي إلى انهيار كامل في البنية، ولذلك تُدار الثقة كعملية ديناميكية لا كهبة عاطفية.

العلاقات في زمن الواجهة

حين نسقط هذا المنطق على العلاقات الإنسانية، نكتشف أن الإشكال ليس في الثقة ذاتها، بل في طريقة توزيعها. نحن نعيش زمنا تُصنع فيه الألفة بسرعة، ويُستهلك فيه القرب كما لو كان منتجا جاهزا. نلتقي بالآخر كما يريد أن يظهر، لا كما هو؛ ننجذب للانسجام السريع، وللغة المتقنة، ولشعور الطمأنينة الفوري، ثم نكتشف لاحقا أن بعض ذلك لم يكن سوى أداء بارع للحظة عابرة.

نمنح صلاحيات دون أن نشعر: دخول إلى يومنا، وإلى مساحاتنا الهشة، وإلى أسرار لم تُخلق لتُقال دفعة واحدة. المشكلة أن هذه الصلاحيات تُعطى أحيانا لمن يتقن الحضور لا لمن يتقن الثبات، لمن يجيد الكلمات لا لمن يثبت في المواقف.

الشك كحكمة وقائية

في سياق الأمن السيبراني لا يُعد الشك رذيلة، بل ممارسة عقلانية تحمي النظام من الانهيار. وبالمثل، لا ينبغي النظر إلى الحذر في العلاقات كقسوة أو برود، بل كوعي بأن القرب لا يساوي الأمان، وأن الانسجام لا يضمن الأخلاق، وأن الكلمات الجميلة لا تكتسب معناها إلا حين تصمد أمام الاختبار.

الإنسان يُختبر في لحظات الاختلاف والضغط، لا في لحظات المزاج الجيد. الثبات حين تصبح المصلحة أقل، والوفاء حين يصبح الالتزام مكلفا، هما المعيار الحقيقي لمنح “صلاحيات” أوسع.

مبدأ أقل امتياز في العلاقات

كما تُدار الأنظمة الرقمية وفق مبدأ “أقل قدر من الامتياز” (Least Privilege)، بحيث لا يُمنح أي مستخدم إلا ما يحتاجه فعلا، يمكن للعلاقات أن تُبنى بالتدرج ذاته. لا تُفتح كل الأبواب من اللقاء الأول، ولا تُمنح كل المساحات لمن يتقن الدخول السريع. الثقة ليست قرارا لحظيا، بل مسارا يتطلب تراكم أدلة واتساقا عبر الزمن.

ليس المطلوب أن نعيش في عزلة أو أن نغلق قلوبنا، بل أن نحكم الثقة بدلا من أن نوزعها بلا حساب. فالثقة العمياء، سواء في النظام الرقمي أو في العلاقات، ليست دليلا على النبل بقدر ما قد تكون ثغرة مؤجلة.

في النهاية، يمكن لـ“العقل السيبراني” أن يمنحنا درسا إنسانيا بسيطا: حافظ على دفئك، لكن لا تجعل قلبك مساحة مفتوحة لكل عابر. اجعل القرب امتيازا يُستحق، لا هدية تُمنح بدافع اللحظة. بهذه الموازنة فقط تبقى إنسانا دون أن تدفع ثمن إنسانيتك استنزافا متكررا.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى