ثقافة

التغيب في التربية: اختبار الدولة في مواجهة اقتصاد التفريغ

لم يعد النقاش حول التغيب في قطاع التربية نقاشًا تقنيًا أو إداريًا، بل تحوّل إلى مرآة تعكس طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة تسعى إلى تفكيك أعطابها، أم منظومة تعيد إنتاج الخلل تحت مسميات جديدة؟ ففي السياق الموريتاني، لا يمكن عزل الغياب عن منظومة ممارسات ترسخت عبر سنوات، وظلت تُدار في الظل باعتبارها «حلولًا» بينما كانت، في حقيقتها، جزءًا من المشكلة.

لقد عرفت الإدارة التربوية، في مراحل سابقة، اعتماد أسلوب إخفاء المدرسين عن أقسامهم بطرق ملتوية: تفريغٌ إداري غير مبرّر، نقلٌ شكلي، أو تكليفٌ بوظائف لا تمت بصلة للتعليم المباشر. ولم تكن هذه الممارسات استثناءات معزولة، بل تحوّلت إلى نمط تسيير قائم بذاته، تُدار به الموارد البشرية خارج أي منطق بيداغوجي أو حاجة فعلية للميدان.

وفي هذا السياق، شهد القطاع ما يشبه الانفجار في مذكرات التفريغ، حيث وُقّعت في فترة وجيزة عشرات، بل مئات، مذكرات العمل التي أخرجت المدرسين من الفصول دفعة واحدة. حدث ذلك في وقت كان فيه الخطاب الرسمي يتحدث عن الاكتظاظ، ونقص الكادر، وتدهور المردودية. المفارقة هنا ليست في العدد فحسب، بل في الفلسفة التي حكمت القرار: تفريغ من يدرّس، ثم البحث عن بدائل مؤقتة، غالبًا أقل تأهيلًا، وأضعف تكوينًا.

ولم يتوقف الأمر عند التفريغ، بل جرى، في حالات كثيرة، خلق وظائف إدارية هجينة، لا تضيف قيمة حقيقية للعمل التربوي، لكنها تؤدي وظيفة واحدة واضحة: إخراج المدرس من القسم مع الحفاظ على وضعيته وامتيازاته. وهكذا، تشكّل ما يمكن تسميته «اقتصاد التفريغ»، حيث تتحول المدرسة إلى واجهة، بينما تُدار الموارد في الخلفية وفق منطق الريع لا الحاجة.

هذه الممارسات لم تكن بريئة، ولا يمكن فهمها خارج منطق الاقتصاد الريعي الذي تسلل إلى التعليم، وجعل من الوظيفة التعليمية موردًا قابلًا لإعادة التوزيع الزبوني. وفي قلب هذا المشهد، ترسّخت شبكة مصالح ترى في الضبط تهديدًا، وفي الشفافية خطرًا، وفي المساءلة مغامرة غير محسوبة.

هنا، يظهر دور ما يُعرف بالدولة العميقة في نسختها المحلية: لا ككيان غامض، بل كممارسات متراكمة، ولوائح مرنة، وتأويل انتقائي للنصوص، يسمح باستمرار التفريغ، ويُفرغ المدرسة من جوهرها، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع الرأي العام.

لذلك، فإن الضجيج المثار اليوم حول إجراءات محاربة التغيب لا يمكن فصله عن هذا الإرث. فحين تُحاول سلطة ما إعادة المدرس إلى القسم، تُستدعى كل خطابات التخويف: الخلل البنيوي، الوضع الاجتماعي، الاستقرار الوظيفي. أما السؤال الجوهري – من يحمي حق التلميذ؟ – فيُدفع إلى الهامش.

إن التربية، في موريتانيا كما في غيرها، ليست ملفًا تقنيًا يُدار بمنطق الترقيع، بل رهان سيادي يتصل مباشرة ببناء الدولة وقدرتها على إنتاج مواطن واعٍ. وأي إصلاح لا يبدأ بإعادة الاعتبار للحضور الفعلي في الفصل، سيظل مجرد إعادة ترتيب للفشل.

فإما أن يُفتح هذا الملف بشجاعة، ويُفكك اقتصاد التفريغ وإخفاء المدرسين، وإما أن يستمر الغياب، لا بوصفه سلوكًا فرديًا، بل كخيار غير معلن، تدفع ثمنه المدرسة العمومية، جيلًا بعد جيل.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن قرار فصل أو عقوبة، بل عن إرادة دولة: هل تريد تربية تُدرّس فعلًا، أم نظامًا يتقن فقط إدارة الغياب؟

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى