البرلمان الموريتاني بين رمزية الزيّ وأزمة الفاعلية السياسية

لم تكن جلسة عرض برنامج الحكومة للسنة المالية 2026 مجرد محطة دستورية عابرة، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لواقع البرلمان الموريتاني، بكل ما يحمله من تناقضات بين الشكل والمضمون، وبين رمزية المؤسسة وفاعلية أدائها.
فبينما كان الوزير الأول يستعرض بنود البرنامج الحكومي ويشرح مراميه وأهدافه، بدت على بعض النواب علامات فتور واضح، تُرجمت في غفوات متقطعة وتثاؤب مكشوف، في مشهد يعكس حالة من الإرهاق السياسي وغياب الحيوية داخل قاعة يُفترض أن تكون فضاءً للنقاش الجاد وصناعة القرار الوطني.
الزيّ الشعبي بين الهوية ومتطلبات الدولة الحديثة
لا خلاف حول مكانة الزيّ الشعبي في الوجدان الوطني، ولا حول قيمته الرمزية في التعبير عن الهوية الثقافية. غير أن حضور النواب في جلسات رسمية بالزيّ التقليدي، وكأنهم في مجالسهم الخاصة، يطرح سؤالًا مشروعًا حول صورة المؤسسة التشريعية في الداخل والخارج، خاصة وأن هذه الجلسات تُبث للعالم وتُقدَّم باعتبارها واجهة للدولة ومؤشرًا على مستوى الانضباط المؤسسي.
إن النقاش حول اعتماد البدلة الرسمية في الجلسات البرلمانية لا ينبغي أن يُختزل في صراع بين الأصالة والمعاصرة، بل يجب أن يُقرأ بوصفه جزءًا من بناء ثقافة سياسية حديثة، تقوم على الانضباط والرمزية المؤسسية واحترام الفضاء العام.
مفارقة الرواتب واختلال سلم الأولويات
تتجلى إحدى أعمق مفارقات المشهد البرلماني في الفجوة الصارخة بين رواتب النواب وامتيازاتهم، وبين أوضاع قطاعات حيوية كالتعليم والصحة. ففي الوقت الذي يتمتع فيه البرلمانيون بمستويات دخل مرتفعة، يرزح المدرسون والأطباء تحت وطأة رواتب هزيلة وسلالم وظيفية جامدة لم تعرف مراجعة جادة منذ الاستقلال.
هذه المفارقة لا تعكس فقط خللًا في توزيع الموارد، بل تكشف عن أزمة في ترتيب الأولويات الوطنية، حيث تُهمَّش القطاعات التي تنهض بها الأمم، بينما تُحصَّن الامتيازات السياسية.
خطاب برلماني بين التبرير والتصعيد
داخل القاعة البرلمانية، تتوزع المداخلات بين خطابين متناقضين:
خطاب الأغلبية، الذي يغلب عليه تبرير السياسات الحكومية وصياغة عبارات الرضا.
وخطاب المعارضة، الذي يميل إلى التصعيد السياسي وتوجيه النقد الحاد للحكومة.
لكن بين هذين الخطابين، يغيب في كثير من الأحيان النقد الموضوعي القائم على التقييم المتوازن، الذي يثمن الإنجازات دون تزييف، ويكشف مواطن التقصير دون مزايدة.
البرلمان بين تمثيل الدوائر وخدمة الصالح العام
تحول بعض النواب إلى مدافعين شرسين عن دوائرهم الانتخابية أمر مفهوم في سياق التمثيل الديمقراطي، لكنه يصبح إشكاليًا حين يطغى على الدور الوطني للبرلمان، الذي يفترض أن يكون فضاءً لصياغة السياسات العامة وخدمة المصلحة الوطنية العليا، لا مجرد ساحة لتكريس الحسابات المحلية.
وفي هذا السياق، يظل الدفاع عن تحسين رواتب المدرسين والأطباء اختبارًا حقيقيًا لصدقية الخطاب البرلماني، إذ لا يمكن الحديث عن دولة قوية دون ضمان حياة كريمة لمن يحملون على عاتقهم بناء الإنسان وحماية حياته.
وحدة نادرة عند الامتيازات
المفارقة الأكثر دلالة أن النواب، على اختلاف مواقعهم السياسية، غالبًا ما يجدون وحدتهم حين يتعلق الأمر بزيادة رواتبهم وامتيازاتهم. عندها تتراجع الخلافات، وتذوب الاصطفافات، ويبرز توافق صامت يعكس جانبًا من أزمة العمل البرلماني في موريتانيا.
نحو برلمان يعكس روح الدولة لا مظاهرها
إن أزمة البرلمان الموريتاني ليست أزمة زيّ أو بروتوكول فحسب، بل أزمة ثقافة سياسية وأداء مؤسسي. فالمطلوب ليس فقط تغيير المظهر، بل إعادة الاعتبار لوظيفة البرلمان باعتباره سلطة رقابية وتشريعية فاعلة، تعكس روح الدولة الحديثة، لا مجرد مظاهرها.
رئيس التحرير









