البرتغال تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي في 2025: صعود استثنائي أم نجاح قابل للاختبار؟

بينما كان العالم يودّع العام الميلادي الماضي على وقع أزمات متلاحقة ونقاط توتر قابلة للاشتعال، كانت البرتغال تسلك مسارا مختلفا تماما. فقد أنهى رئيس الوزراء لويس مونتينيغرو العام بإنجاز غير مسبوق، بعدما تصدرت بلاده تصنيف مجلة The Economist لأفضل أداء اقتصادي بين 36 دولة غنية في 2025.
يعتمد التصنيف على خمسة مؤشرات رئيسية تشمل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وأداء سوق العمل، وأداء سوق الأسهم، والتضخم الأساسي، ونطاق التضخم. وقد حققت البرتغال نموا بنسبة 2.4% في الربع الثالث من 2025، متجاوزة المتوسط الأوروبي، فيما ارتفع سوق الأسهم بأكثر من 20%، بالتزامن مع تراجع معدلات التضخم، ما منحها مزيجا نادرا من النمو والاستقرار.
من حافة الإفلاس إلى نموذج للاستقرار
المفارقة أن البرتغال كانت قبل أقل من 15 عاما تقف على حافة الإفلاس، واضطرت لاعتماد سياسات تقشفية صارمة للخروج من أزمتها المالية. وعلى مدى سنوات، ارتبط اسمها في الإعلام الاقتصادي بالأزمات والاستقالات والفضائح، قبل أن يتحول اليوم إلى نموذج للاستقرار والانضباط المالي.
وأكد تقرير حديث صادر عن مؤسسة Francisco Manuel dos Santos أن الاقتصاد البرتغالي يدخل العام الحالي بثقة تجارية مرتفعة ونمو مستدام، مدعوما بقاعدة اقتصادية أكثر نضجا، رغم الاضطرابات الجيوسياسية العالمية والتضخم المستمر.
كما حافظت البلاد على معدل بطالة عند حدود 6.3% وفقا لمعهد الإحصاء الوطني، بينما أشارت CNN الاقتصادية إلى انخفاض معدل نقص الاستخدام في سوق العمل إلى 10.5% فقط.
السياحة والاستثمار الأجنبي: محركات النمو الأساسية
لا يمكن فهم القفزة البرتغالية دون التوقف عند قطاع السياحة، الذي بات يشكل ركيزة رئيسية للناتج المحلي. فقد شهدت البلاد ازدهارا لافتا في الفنادق والمطاعم والفعاليات الثقافية، مع زيادة الرحلات الجوية من آسيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة.
وتشير The Economist إلى أن السياحة لا تزال المحرك الأهم للنمو، بينما عززت الضرائب المنخفضة وبرامج الإقامة الاستثمارية جاذبية البلاد للأثرياء ورواد الأعمال.
ومن أبرز هذه البرامج “التأشيرة الذهبية”، التي تتيح للمستثمرين الحصول على إقامة والتنقل داخل فضاء Schengen مقابل استثمار لا يقل عن نصف مليون يورو. ووفقا لتقرير صادر عن مؤسسة Digital World، ساهم البرنامج بنحو 54 مليار يورو في الاقتصاد الوطني.
نجاح بالأرقام… وتشكيك في الواقع
رغم الاحتفاء الرسمي، ظهرت أصوات داخلية تشكك في مدى انعكاس هذه المؤشرات على حياة المواطنين. فقد اعتبرت المرشحة اليسارية كاتارينا مارتينيز أن الأرقام الكلية لا تعكس معاناة العمال في مواجهة تكاليف السكن والخدمات الأساسية.
وتشير تقارير Euronews إلى أن أسعار العقارات في البرتغال أعلى بنحو 25% من مستوياتها المقبولة، مع اتساع الفجوة بين نمو الأسعار ونمو الأجور. كما لفتت منصة Idealista إلى أن تدفق المستثمرين الأجانب، خصوصا إلى لشبونة وبورتو، أدى إلى ضغوط متزايدة على سوق الإسكان.
بدورها، انتقدت صحيفة Correio da Manhã النموذج الحالي، معتبرة أنه يخدم المستثمرين والسياح الأثرياء أكثر مما يخدم الشباب البرتغالي الذي يواجه صعوبة في تملك السكن.
رواية مضادة: تحسن حقيقي في معيشة الأسر
في المقابل، نشر موقع مدرسة إدارة الأعمال والاقتصاد في لشبونة تحليلا يؤكد أن البطالة تراجعت إلى نحو 5.8%، وأن الدخل الحقيقي للأسر نما بمعدل 5% سنويا، مع ارتفاع معدلات الادخار وتراجع القروض المتعثرة إلى أدنى مستوياتها التاريخية. كما انخفضت نسبة المعرضين لخطر الفقر إلى أقل من 20%، وهو أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي.
ويرى التحليل أن ارتفاع أسعار العقارات لا يمثل خسارة للجميع، إذ إن أكثر من 73% من الأسر البرتغالية تملك مساكنها، ما يعني أن ارتفاع الأسعار عزز ثروتها الصافية.
بين التفاؤل والتحفظ: اختبار الاستدامة
يبقى الجدل قائما بين من يرى في التجربة البرتغالية قصة نجاح حقيقية، ومن يعتبرها نموا يعتمد بشكل مفرط على السياحة ورؤوس الأموال الأجنبية. وبين هذين الرأيين، تبدو الحاجة ملحة لتعزيز التنويع الاقتصادي ومعالجة أزمة السكن، خصوصا بالنسبة للشباب.
وحده الزمن سيحدد ما إذا كانت البرتغال قادرة على ترسيخ هذا الصعود وتحويله إلى مسار طويل الأمد، أم أن التحديات الهيكلية ستفرض إعادة النظر في نموذجها الاقتصادي الحالي.









