اكتشاف علمي بريطاني يكشف آلية طبيعية لإيقاف الالتهاب وتسكين الألم دون إضعاف المناعة

في إنجاز علمي قد يغير أساليب التعامل مع الالتهاب في الطب الحديث، تمكن علماء بريطانيون من تحديد آلية طبيعية يستخدمها الجسم لوقف الالتهابات الضارة وتخفيف الألم، من دون التأثير سلبا في كفاءة الجهاز المناعي.
ويُعد الالتهاب سلاحا ذا حدين؛ فهو خط الدفاع الأول للجسم ضد العدوى، لكنه قد يتحول إلى عامل خطر حين يستمر دون توقف، ليسهم في الإصابة بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل.
وأوضح باحثون من كلية لندن الجامعية أن مفتاح هذه الآلية يكمن في نوع من الخلايا المناعية يعرف بـ”الخلايا الوحيدة الوسيطة”، والتي تلعب دورا أساسيا في استمرار الالتهاب وتحوله إلى حالة مزمنة عند غياب آليات الكبح الطبيعية.
وكشفت الدراسة، التي نشرتها دورية “نيتشر كوميونيكيشنز”، عن وجود جزيئات دهنية صغيرة تسمى “إيبوكسي أوكسيليبين”، تعمل كإشارة إيقاف للجهاز المناعي، حيث تحد من نشاط الخلايا المسؤولة عن الالتهاب المزمن، وتسرّع عملية التعافي عبر نقل الجسم من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الترميم، إضافة إلى تقليل إشارات الألم بشكل ملحوظ.
ويميز هذه الآلية الطبيعية أنها، على عكس العديد من الأدوية المسكنة المتداولة، تخفف الألم والالتهاب الضار دون تعطيل الاستجابة المناعية الضرورية لمقاومة العدوى، إذ تبقى مظاهر الالتهاب المفيد، مثل الاحمرار والتورم الموضعي، قائمة عند الحاجة.
ولإثبات هذه النتائج، أجرى الباحثون تجارب على متطوعين أصحاء، حيث تم تحفيز استجابة التهابية موضعية عبر حقن بكتيريا معطلة في الساعد، ثم إعطاء مجموعة من المشاركين دواء تجريبيا يمنع تكسير هذه الجزيئات الدهنية، ما يسمح لها بالاستمرار في أداء دورها الوقائي فترة أطول.
وأظهرت النتائج أن المتطوعين الذين ارتفعت لديهم مستويات هذه الجزيئات شعروا بزوال الألم بشكل أسرع، مع تراجع الخلايا المسببة للالتهاب، في حين ظل جهازهم المناعي محافظا على نشاطه الطبيعي.
ورغم أن هذه النتائج لا تزال أولية وتعتمد على تجارب محدودة، فإنها تعزز الفكرة القائلة بأن الجسم يمتلك آليات ذاتية دقيقة لتنظيم الالتهاب يمكن تسخيرها في تطوير علاجات مستقبلية أكثر أمانا.
ويأمل الباحثون أن تفتح هذه الدراسة الطريق أمام جيل جديد من الأدوية التي لا تقتصر على تسكين الألم، بل تعتمد على دعم الآليات الطبيعية للجسم لإنهاء الالتهاب بفعالية، ما قد يوفر حلولا علاجية أكثر أمانا لمرضى الالتهابات المزمنة، بعيدا عن الآثار الجانبية للمسكنات التقليدية.









