رأي آخر

اغتيال المعلم دون طلق رصاصة

لا يحتاج قتل المعلم إلى بندقية أو رصاصة، فثمة طرق أشد فتكا وأطول أثرا، تمارس في صمتٍ بارد، وتنجز بأقلام القوانين، وببرودة السياسات، وبلامبالاة المجتمع.

إن اغتيال المعلم اليوم لا يتم في الأزقة المظلمة، بل في وضح النهار، داخل الفصول، وعلى موائد القرار، حين يفرغ التعليم من رسالته، ويختزل المعلم في وظيفة بلا روح.
لقد كان المعلم، في الوعي الجمعي للأمم، حامل مشعل المعرفة، وواسطة العقد بين الماضي والمستقبل، غير أن هذا الدور بدأ يتآكل حين انقلبت القيم، فصار السوق معيار كل شيء، وغدت المدرسة مؤسسة إنتاج رقمي لا فضاء بناء إنساني. في هذا السياق، لم يعد المعلم مرجعية أخلاقية ولا سلطة معرفية، بل موظفا يطالب بالنتائج دون أن يمنح الأدوات، ويحاسب على الفشل دون أن يسأل عن أسبابه.
ويتمثل الاغتيال الأول في التهميش الرمزي؛ إذ جرد المعلم من هيبته، وأُفرغت مكانته من دلالتها.

فما قيمة رسالة لا تجد اعترافا؟ وما جدوى صوتٍ يكبح باسم الحداثة حينا، وباسم الحريات حينا آخر؟ إن المعلم الذي لا يصغى إليه، ولا يحمى في فضائه التربوي، قد حكم عليه بالموت المعنوي، ولو ظل واقفا أمام السبورة.
ثم يأتي الاغتيال المهني أكثر قسوة وواقعيّة؛ رواتب هزيلة، تكوين متقطّع، ضغط إداري خانق، وتغييب ممنهج للحوافز. وهنا لا يقتل المعلم فجأة، بل يستنزف ببطء، حتى يفقد شغفه، ويغدو التعليم مجرد آلية للعيش لا رسالة للحياة. وما أخطر مهنة تمارس بلا إيمان!
أما الاغتيال التربوي فهو الأخطر أثرا، لأنه ينعكس على الأجيال. حين يقصى المعلم عن صناعة القرار التربوي، وتفرض عليه مناهج لا تراعي السياق ولا الإنسان، يتحول إلى منفذ صامت، وتتحول المدرسة إلى مصنع شهادات، لا مختبر عقول. وهنا يغتال المعلم ومعه العقل الجمعي للأمة.


ولا يقل الاغتيال الاجتماعي فداحة؛ إذ ساهمت بعض الخطابات الإعلامية، وسلوكيات مجتمعية متراخية، في تشويه صورة المعلم، فاختلطت الأدوار، وضاعت الحدود، وغابت القدوة. وعندما يفقد المجتمع ثقته في معلمه، فإنه يوقع، دون أن يشعر، شهادة إفلاسه القيمي.
إنّ اغتيال المعلم دون طلق رصاصة هو، في جوهره، اغتيال للمستقبل؛ لأن المعلم ليس فردا معزولا، بل هو بنية رمزية، إذا انهارت انهار معها مشروع النهضة. فلا تنمية بلا تعليم، ولا تعليم بلا معلم محترم، حر، مؤهل، محمي الكرامة.
وخلاصة القول: إن إنصاف المعلم خيار حضاري. فإما أن نعيد للمعلم اعتباره، فنستعيد المدرسة روحها، والمجتمع توازنه، وإما أن نواصل اغتياله في صمت، وننتظر ـ بلا دهشة ـ موت المعنى في وطننا.

زر الذهاب إلى الأعلى