ثقافة

إحجام الأنظمة العربية عن دعم المقاومة: تحليل بنيوي بعيدًا عن الطائفية

عندما نقرأ الأحداث على الأرض، ونحلل مواقف الدول العربية من المقاومة الفلسطينية، يبرز سؤال مركزي: لماذا تحجم أنظمة عربية – أغلبها سنية – عن دعم المقاومة عسكريًا وعمليًا، بينما تتدخل قوى محسوبة على المحور الشيعي بوضوح أكبر؟

لكثيرين، يبدو التفسير الأول هو الطائفية: أن القرار السياسي يُحركه الانتماء المذهبي. لكن هذا التفسير سطحّي ويختصر الواقع بشكل خاطئ. فالدولة، في جوهرها، ليست جماعة دينية، بل كيان سياسي يسعى للحفاظ على مصالحه وبقاءه. الطائفية هنا تفسر الخطاب والإعلام، لكنها لا تحدد القرار الاستراتيجي.

الطائفة كواجهة تعبوية، لا محرك أساسي

السياسة العربية الحديثة تُدار وفق منطق بقاء النظام، وحماية الاستقرار الداخلي، وضبط الشارع، وتجنب كلفة الصراعات الخارجية المكلفة أو الخطرة. الدول العربية التي تحجم عن دعم المقاومة لا تفعل ذلك لأسباب مذهبية، بل لأن أي تصعيد قد يهدد التوازن الداخلي أو يعرضها لعقوبات وخسائر اقتصادية وسياسية على المستوى الدولي.

هذا يفسر جزئيًا لماذا يرى المراقبون أن الفعل المقاوم يتحرك بنشاط أكبر لدى قوى مثل إيران أو حزب الله أو الحوثيين: هذه الفاعلين لديهم بنى سياسية أو شبكات اجتماعية تجعل من دعم المقاومة عنصرًا مركزيًا في مشروعهم الإقليمي، وليس تهديدًا لوجود الدولة.

طبيعة الدولة العربية الحديثة: جذر الإحجام

تحليل الأنظمة العربية الحديثة يظهر نمطًا متكررًا:

مركزية أمنية صارمة: السلطة تتركز في قمة هرمية، ما يحمي النظام لكنه يحد من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة خارج إطار شبكة تحالفاته الدولية.

اقتصاد ريعي: يعتمد كثير من الدول العربية على النفط أو الموارد الطبيعية كمصدر رئيس للدخل، ما يجعلها عرضة للضغوط الاقتصادية الدولية عند أي صراع مسلح.

ارتباط خارجي كثيف: تحالفات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وأوروبا تجعل أي خطوة عسكرية محفوفة بالمخاطر.

شرعية قائمة على الاستقرار أكثر من المشاركة: إذ تُركز السلطة على ضبط الداخل واستدامة موارد الدولة أكثر من تمثيل شعبي فعّال.

ضمن هذه البنية، يصبح دعم المقاومة المسلحة مخاطرة استراتيجية قد تهدد بقاء النظام أكثر مما تخدم القضية نفسها.

دروس من النماذج التاريخية

عندما ننظر إلى الجزائر، ليبيا قبل 2011، العراق قبل سقوط صدام، ومصر قبل كامب ديفيد، نجد أن هناك عناصر قوة كانت موجودة: خطاب سيادي قوي، مشاريع اقتصادية، وحضور عسكري فاعل.

لكن هذه الدول أيضًا كانت:

مركّزة السلطة في يد فرد أو حزب واحد.

ضعيفة مؤسسيًا: المؤسسات لم تكن قادرة على حماية المشروع أمام الصدمات.

اقتصادها ريعي: يعتمد على مصدر واحد أو قطاع محدود، ما يزيد تعرضها للخطر.

النتيجة: حتى الدول التي بدت قوية ومستقلة في خطابها السياسي، لم تمتلك بنية مؤسسية صلبة تجعلها تتحمل صراعات خارجية مستمرة.

خلاصة الفصل

يمكن تلخيص النقاط الرئيسية بهذا الشكل:

  1. إحجام الأنظمة العربية عن دعم المقاومة لا يُفسَّر بانتمائها المذهبي، بل بطبيعة الدولة العربية الحديثة نفسها.
  2. الدولة العربية الحديثة تميل إلى إدارة المخاطر الداخلية والخارجية، قبل أن تتخذ قرارًا عسكريًا بعيد المدى.
  3. خطاب المقاومة قد يبدو واضحًا، لكنه يختلف عن قدرة الدولة على التنفيذ بسبب البنية الاقتصادية والسياسية.
  4. النماذج التاريخية أظهرت أن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي: المؤسسات والاقتصاد٧ والاستقلال الاستراتيجي ضرورية لتحمل أي مشروع مقاوم طويل الأمد.

بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى