أين مذكرات الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل؟

محمد الكوري العربي
كاتب ومثقف موريتاني
في مثل هذه الساعات من شهر يناير، وتحديدًا في العام 2013، نزل على الساحة السياسية الموريتانية خبرٌ كان وقعه كالصاعقة: وفاة الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل. لم يكن الخبر مجرد إعلان عن غياب رجل من رجال السياسة، بل كان إيذانًا بانطواء فصل كامل من تاريخها، ورحيل ذاكرة حية كانت تختزن من أسرار المرحلة أكثر مما كُتب عنها في العلن.
لم يكن ولد ابريد الليل سياسيًا عابرًا؛ كان رجلًا صالحًا ومشاكسًا في آن، يتحالف بقدر ما يخاصم، ويُرضي كما يُغضب، يناور دون ابتذال، ويعاند دون تهور. وبرحيله، لم تفقد السياسة فاعلًا فقط، بل فقدت عقلًا مركبًا، وثقافةً كثيفة، وقدرة نادرة على الجمع بين تعدد المرجعيات ووحدة الرؤية.
كان الراحل نقطة التقاء بين الثقافات المحلية في عمقها الاجتماعي، والعربية في بيانها واتساعها، والعالمية في بعدها الإنساني. في نصوصه وإطلالاته، كانت اللغة فضاءً للتنوع لا للإقصاء، وكانت المعالجة الفكرية شاملة دون تسطيح، دقيقة دون جفاف.
قرأه كثيرون دون أن ينتبهوا إلى أنهم يقرأونه؛ قرأوه في مقابلات الآخرين، وفي مقالات خصومه، وفي ردود سجالية فجّرها حضوره غير المعلن، وحتى في تشنجات رسمية وافتتاحيات إعلامية لم تكن سوى انعكاس غير مباشر لتأثيره العميق. كان حاضرًا في النقاش العام، حتى حين غاب اسمه عن العناوين.
ولا يُستعاد ولد ابريد الليل اليوم لمجرد ما اتصف به من وقار شخصي، ولا لصلابة ثوابته، ولا لمهارته في إدارة الخلاف بهدوء جسدي وتوازن نفسي، ولا لإتقانه تحويل التوتر الداخلي إلى عبارة مكثفة ناعمة الأثر؛ بل يُستعاد لأنه جمع كل ذلك في نسيج واحد، متناسق على نحو نادر، ثم مضى دون أن يترك خلفه تشويهًا أو تناقضًا يطعن في صورته.
غير أن استحضار هذه الذكرى لا يكتمل دون سؤال جوهري يتجاوز الرثاء: متى يستعيد الموريتانيون محمد يحظيه ولد ابريد الليل في مذكراته؟ تلك المذكرات التي لا يُفترض أن تكون شأنًا شخصيًا، لأنها تختزن أخطر لحظات التاريخ السياسي، ومحطات الصدام الإيديولوجي، وأسرار التنظيمات، وتقييمات الرفاق، وكواليس الأنظمة، ومناورات الخصوم، بل وحتى غرائب المجتمع.
إنها ذاكرة وطنية مؤجلة، وتجربة فكرية وسياسية لا تعوض.
فأين مذكرات الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل؟






